قبل سنوات قليلة، كان الطريق إلى النجاح المهني يبدو واضحا: شهادة جامعية، ثم وظيفة مكتبية في شركة كبرى، ومكتب أنيق، وحاسوب محمول، وراتب ثابت، ومسار وظيفي مستقر. أما المهن الحرفية، فغالبا ما كانت تعد خيارا أقل مكانة، يرتبط بمن لم يسلك طريق الجامعة. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير.
ففي عدد متزايد من الدول الأوروبية، يتجه الشباب اليوم إلى مهن مثل الكهرباء والسباكة والنجارة وصيانة المعدات ،بعدما أصبحت توفر دخلا جيدا، وفرصا أكبر للاستقرار، وطلبا متزايدا في سوق العمل. ولا يعني ذلك أن الوظائف المكتبية فقدت أهميتها، بقدر ما يعكس تحولا في نظرة جيل جديد إلى معنى النجاح، وقيمة العمل، ومستقبل المهنة.
أحد أبرز أسباب هذا التحول هو تراجع الصورة المثالية للوظيفة المكتبية، بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" BBC. فبعد جائحة كورونا، شهدت أسواق العمل الأوروبية تغيرات عميقة، شملت موجات تسريح في بعض القطاعات، وضغوطا متزايدة لرفع الإنتاجية، وارتفاعا في معدلات الإرهاق النفسي بين الموظفين. ونتيجة لذلك، بدأ كثير من الشباب يشككون في فكرة أن العمل خلف المكتب هو الطريق الأكثر استقرارا، خاصة مع ساعات طويلة أمام شاشات الحاسوب، واجتماعات متلاحقة، وضغوط مستمرة لا تنعكس دائما على جودة الحياة أو الأمان الوظيفي.
ووفقا لتقرير موسع نشرته مجلة "فورشن"Fortune حول الصحة النفسية واتجاهات الشباب المهنية، فإن 75% من الشباب باتوا يربطون الوظائف المكتبية التقليدية بما يُعرف بـ"الاحتراق الوظيفي" (Burnout). فالجلوس لساعات طويلة أمام شاشة الحاسوب أورث كثيرين منهم شعورًا بالاغتراب والإنهاك الرقمي، في ظل غياب نتيجة ملموسة تعكس أثر ما ينجزونه يوميًا.
وفي المقابل، يرى عدد متزايد من الشباب أن المهن الحرفية تمنحهم مكافأة نفسية أكثر مباشرة، إذ تتيح لهم رؤية ثمرة عملهم على أرض الواقع، سواء في إصلاح عطل أو إنجاز مشروع بأيديهم، وهو ما يعزز شعورهم بالإنجاز ويخفف من الضغوط المرتبطة بالوظائف الرقمية.
في المقابل، تواجه أوروبا نقصا متزايدا في العمالة الماهرة، فمع اقتراب أعداد كبيرة من الحرفيين من سن التقاعد، لا يدخل إلى هذه المهن عدد كافٍ من الشباب لتعويضهم. ويشير تقرير نُشر في "بي بي سي"، إلى أن قطاعات مثل البناء والصيانة والكهرباء والسباكة تعاني بالفعل من نقص في الكفاءات، وهو ما ينعكس على ارتفاع الأجور وزيادة فرص التوظيف.
💬 التعليقات (0)