في محاضر الجنود تبدأ الحكاية عادةً من لحظة وصول القوة العسكرية، وتنتهي بانسحابها. بضعة أسطر باردة، وأفعال بصيغة الماضي، ومصطلحات تُخفي أكثر مما تُظهر: "تم التعامل"، "تم التوقيف"، "تم تفريق المتجمهرين". لكن ما بين "تم" الأولى و"تم" الأخيرة، تختفي حياة كاملة لا تجد طريقها إلى الورق.
لا أحد يكتب في تلك المحاضر أن قريةً بأكملها سهرت لأن بيتاً واحداً كان مهدداً. ولا أحد يدوّن أن الجدران حين شعرت بالحصار، خرج الناس من بيوتهم ليصبحوا جدراناً أخرى، وأن البيت الذي أرادوا عزله، احتضنته القرية حتى بدا وكأنه يتسع للجميع.
في المغير، لم يكن منزل الحاج محمد حامد عطا أبو عليا مجرد بناء من حجر، بل كان ذاكرة ممتدة على عمر أجيال، وآخر ما تبقى من يقين يقول إن الإنسان يستطيع أن يشيخ في المكان الذي وُلد فيه. لذلك، لم يكن استهدافه استهدافاً لجدران، بل محاولة لاقتلاع معنى أعمق؛ أن يتحول البقاء إلى مخاطرة، وأن يصبح الرحيل هو الخيار الوحيد.
لن تكتب محاضر الجنود أن الأهالي لم يأتوا بحثاً عن مواجهة، بل هرباً من فكرة أن يبقى جارهم وحيداً. كانوا يعرفون أن البيوت لا تسقط حين تنهار جدرانها، بل حين يتخلى عنها أصحابها وجيرانها. لذلك افترشوا ساحة المنزل، وجعلوا من أجسادهم سياجاً أخلاقياً حوله، وكأنهم يعلنون أن القرية ليست تجمعاً من البيوت، بل شبكة من الأرواح التي ترفض أن ينكسر أحدها وحده.
ولن تذكر المحاضر اسم مؤمن أبو عليا إلا بوصفه "موقوفاً". أما الحقيقة، فهي أنه كان شاباً رأى منزله وعائلته في مواجهة اعتداء المستوطنين، فوقف حيث يقف الإنسان حين لا يملك إلا كرامته. اقتاده الجنود من أمام البيت، ثم أعادوه بعد ساعات إلى الإسعاف الفلسطيني، محمولاً بآثار الضرب والتنكيل، ملفوفاً بطبقة من القصدير، كأنهم كانوا يحاولون تغليف الألم نفسه قبل تسليمه. لكن الألم لا يُخفى بورق معدني، والكرامة لا تُطوى كما تُطوى البطانيات، والذاكرة لا تصل إلى أهلها إلا أكثر وضوحاً كلما حاولوا طمسها.
ولن تكتب المحاضر أن الرصاص الذي أُطلق بكثافة لم يكن يستهدف أجساداً فقط، بل كان يستهدف الفكرة التي جمعت الناس في تلك الساحة؛ فكرة أن البيت لا يخص عائلة واحدة، بل يخص القرية كلها. فحين يصبح الدفاع عن منزل مسؤولية جماعية، تفقد القوة العسكرية أهم أسلحتها: عزل الضحية عن محيطها.
💬 التعليقات (0)