بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب الإبادة البشعة والدمار الكبير، لا يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً في قطاع غزة هو: متى تُجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية؟ بل ربما يكون السؤال الحقيقي: هل أصبح القطاع أصلًا مهيأً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة؟
فالانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع وأوراق تصويت، وإنما عملية سياسية وقانونية ومجتمعية متكاملة، تقوم على بيئة آمنة، ومؤسسات فاعلة، وضمانات للنزاهة، وحرية للتنافس، وثقة لدى المواطن بأن صوته سيُحدث فرقاً. وعندما تغيب هذه المقومات، تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي قد يعمق الانقسام بدل أن ي فتح باب الاستقرار.
إن الواقع الذي يعيشه قطاع غزة اليوم يطرح تحديات كبيرة أمام أي حديث عن استحقاق انتخابي قريب. فالبيئة الأمنية ما زالت شديدة التعقيد، وحياة المواطنين ما تزال محكومة بالبحث اليومي عن المأوى والغذاء والمياه والعلاج، وهي احتياجات لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن المشاركة السياسية. فمن الطبيعي أن ينصرف اهتمام الإنسان الذي يبحث عن سقف يؤويه أو لقمة يطعم بها أطفاله إلى أولويات البقاء، قبل أن ينصرف إلى صناديق الاقتراع.
إلى جانب ذلك، تواجه العملية الانتخابية تحديات لوجستية وقانونية لا تقل أهمية. فجزء كبير من البنية التحتية تعرض للتدمير، والكثير من المدارس والمباني العامة التي تُستخدم عادةً كمراكز اقتراع لم تعد صالحة للاستخدام. كما أن حركة النزوح الواسعة غيّرت أماكن إقامة مئات الآلاف من المواطنين، الأمر الذي يثير تساؤلات حول السجل الانتخابي، وتحديد الدوائر، وإمكانية وصول الناخبين إلى مراكز الاقتراع.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى التساؤل حول الجهة التي ستتولى إدارة وتأمين العملية الانتخابية، وكيف سيتم ضمان سلامة المرشحين والناخبين والعاملين في الانتخابات، ومن ستكون له الولاية الفعلية على القطاع في المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الغموض بشأن الإدارة المدنية والهيكل الحاكم. كما أن أي عملية انتخابية تحتاج إلى رقابة محلية ودولية مستقلة تعزز الثقة بنتائجها، وهو أمر يبقى محل تساؤل في ظل الظروف الراهنة.
أما سياسياً، فما يزال غياب التوافق بين القوى الفلسطينية يمثل تحدياً أساسياً أمام أي استحقاق انتخابي. فالانتخابات لا تنجح فقط يوم الاقتراع، بل تنجح عندما تتوافر الإرادة الوطنية لاحترام نتائجها والاحتكام إلى القانون والمؤسسات، وهو ما يحتاج إلى توافقات سياسية واضحة وضمانات مقبولة من جميع الأطراف.
💬 التعليقات (0)