في لحظات الكوارث الكبرى، لا تتعرض الجبهات العسكرية وحدها للاهتزاز، بل تتعرض أيضًا البُنى العميقة التي تُنتج المضمون السياسي والاجتماعي، كالثقة، والتضامن، والشعور الجمعي بالقدرة على الصمود، لهزّات عميقة. وعند هذه النقطة تحديدًا، يتجاوز السؤال الفلسطيني حدود الحرب والمقاومة، ليصبح سؤالًا عن واقع المجتمع نفسه: هل يبقى فاعلًا تاريخيًا، أم يتفكك إلى مجرد أفراد يبحث كلٌ منهم عن خلاصه؟
خطاب تحميل الضحية مسؤولية الكارثة
برز خلال حرب الإبادة على قطاع غزة خطابٌ يُحمِّل المقاومة وحدها مسؤولية الكارثة، بل وصل البعض إلى حد مطالبتها بالاستسلام باعتباره طريقًا “لإنقاذ ما يمكن إنقاذه”. غير أن هذا الخطاب لم يكن مجرد اختلاف سياسي، بل انطوى،بقصد أو بدونه،على إعادة توزيع غير معلنة للمسؤوليات، تُحمِّل الضحايا عبء الإبادة، وتخفف الضغط الأخلاقي والسياسي عن منظومة الاحتلال والإبادة الجماعية بوصفها المسؤول الأول عن إنتاج هذه الكارثة واستمرارها.
سؤال الاستسلام: فرضية تتهاوى أمام الواقع
دون إعفاء قوى المقاومة من مسؤولية غياب أو عدم جدية مقاربتها الملموسة حول التوافق كخيار اجباري للإنقاذ، وفي كيفية انتشال أهل غزة من الكارثة، فإن السؤال الذي يتجاوز الجدل النظري اليوم هو: ماذا بقي من فرضية أن الانحناء قد يشكّل مدخلًا للإنقاذ، أمام كل ما يجري على الأرض؟
فرغم ما أُعلن من تفاهمات أو مراحل تهدئة، والتزام الطرف الفلسطيني بما عليه، فإن آلة القتل والحصار لم تتوقف، ولا تزال غزة عالقة بين خيام ممزقة، فيما يُخضع أهلها لمنظومة تجويع وضغط يومي بلا أفق واضح، سوى استمرار محاولات دفعهم نحو الهجرة. وفي نفس الوقت، تتسع في الضفة الغربية صورة موازية من التآكل البطيء لشروط الحياة من قتل وإرهاب، وحواجز وإغلاقات، وتضييق اقتصادي، وتفكيك تدريجي لمجالات الحركة والعمل.
💬 التعليقات (0)