خلال مظاهر تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، بدت لافتة على نحو خاص تلك الصورة المركبة، التي تضع رأس شخصية أمريكية في مرمى قناص، مع طلقة في الجبين. وأياً كان اعتراض المرء على هذه الطريقة في الإعراب عن العداء للساسة والسياسات في الولايات المتحدة، حيث يمكن للمعنى الصائب أن يختلط باللغو الفاضح، وأن لا تنتهي كلمة حق إلا إلى باطل صريح؛ فإنّ مقادير غير قليلة من الدهاء، السياسي والإعلامي والعقائدي والتعبوي، طبعت اختيار الشخصيات وما تمثّل بصدد حال العداء الراهنة بين واشنطن وطهران.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصدّر سلسلة الصور تلك، التي ضمّت ميريام أدلسون (سيدة الأعمال الأمريكية ـ الإسرائيلية اليمينية، وصاحبة المرتبة الـ48 بين أغنياء العالم، وفي عداد الأسخى تبرعاً لحملات بنيامين نتنياهو منذ 1996)؛ وبن شابيرو (المعلق السياسي والإعلامي الأمريكي، والنجم الصاعد في التيارات المحافظة داخل الحزب الجمهوري)؛ ولورا لومر (بين أشنع ممثلات، وممثلي، اليمين المتطرف والعنصري في الولايات المتحدة)؛ وبيتر ثيل (الملياردير الأمريكي ـ النيوزيلندي، المدير العام لشركة التحويلات المالية PayPal، وصاحب الآراء المحافظة ومستشار ترامب)؛ ومارك دوبوفيتز، الأمريكي ـ الكندي من أصول جنوب أفريقية، مدير «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية»، الأشرس في المطالبة بتشديد العقوبات على إيران).
لكنّ هذه السطور تتوقف خصوصاً عند شخصية بعينها، كانت ضمن لائحة الذين «سوف تخرّ رؤوسهم» قريباً، حسب العبارة المدونة على الصور: ليندسي غراهام، السناتور الجمهوري اليميني المحافظ، وأحد أعتى صقور الحزب والكونغرس، و«الحربجي» دائماً وأبداً، المتقلب كيفما اقتضت رياحه الانتهازية أو أطماعه الوصولية؛ ثمّ، بالطبع، صديق دولة الاحتلال الصدوق الذي لم يتردد في التلميح إلى استخدام السلاح النووي في قطاع غزّة، وتسويتها بالأرض بشراً وحجراً؛ والذي لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أيام، في فراشه كما ينبغي له، وليس على أية جبهة قتال وسفك دماء حثّ عليها وتحمس لها. أخبار ذات صلة وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام.. أشرس داعمي الاحتلال اعتراف بالضعف في واشنطن.. إعلام الاحتلال: وفاة غراهام ضربة استراتيجية لأدوات تأثيرنا
هواة نظريات المؤامرة سارعوا إلى التشكيك في الرواية الطبية الواهية، التي قالت إنه قضى بسبب «وعكة صحية مفاجئة وقصيرة»، فلم يستبعد بعضهم أنّ غراهام مات اغتيالاً وليس لأيّ عارض طبيعي؛ لأنّ تاريخه الصحي لا يشير إلى اعتلال مزمن، وكان عائداً لتوّه من رحلة ثامنة إلى أوكرانيا، حيث لاحت عليه مظاهر العافية والنشاط و»الحربجة» المعتادة. آخرون، من خارج صفوف الهواة هؤلاء، رجحوا أن يكون السبب إفراطاً في اللهو أو التسلية أو انتهاك طاقات الجسد، وما إلى هذا من عبث بشري. فئة ثالثة توقفت عند المصادفة ذاتها، ليس بوصفها واحدة من قوانين الكون والزمن والأحداث فقط، بل أساساً لأنّ المستويات القصوى من فظاظة غراهام عند الحديث عن إيران، مثل أحاديثه عن القضية الفلسطينية عموماً والحرب الإسرائيلية الإبادية ضدّ قطاع غزّة خصوصاً، كانت تفضي تلقائياً، ودلالياً ربما، إلى تلمّس انطباق التصادف بين صورته في طهران مع طلقة تخترق جبينه، وصورته محمولاً على نقالة في منطقة كابيتول هيل من العاصمة واشنطن.
وقبل رحلته الاخيرة إلى كييف، كان غراهام قد شارك في مؤتمر ميونخ للأمن، شباط (فبراير) الماضي، حيث اعتاد الحضور ممثلاً للكونغرس شكلاً، ولسيده الرئيس الأمريكي فعلياً؛ وكانت علائم العافية بادية على وجهه ولغة جسده، خاصة حين أهان رئيسة وزراء الدنمارك ميته فردركسن على خلفية نقاش تابعية جزيرة غرينلاند؛ فاستخدم الكلمة البذيئة ذات الأحرف الأربعة، ونعتها بـ«السيدة الصغيرة». كما ذهب غراهام أبعد، فاعتبر أنه لا قيمة لتابعية الجزيرة للدنمارك، ما دام الرئيس ترامب يرغب في تحصين الحلف الأطلسي وجعله أقوى؛ ثمّ تابع تصريحاته العدائية ضدّ الدنمارك حتى بعد أن تراجعت نبرة ترامب نفسه بصدد غزو الجزيرة، فبدا أنه يتلذذ بتسعير النقاش ليس أكثر.
كانت مواقف غراهام في الانحياز لدولة الاحتلال ونكران الحقوق الفلسطينية هي الأكثر تجذراً وديمومة في سجلّ خياراته السياسية
💬 التعليقات (0)