10 سنوات عاشها فتى أمريكي من حي بروكلين النيويوركي بين جدران دير للرهبان الكبوشيين (وهي رهبنة كاثوليكية تشتهر بالتواضع وتقديم الخدمة للمحتاجين واللاجئين)، يتهيأ لحياة قوامها الصمت والصلاة والكهنوت الكاثوليكي، ثم خرج من الدير في الـ24 من عمره دون أن يُرسَم كاهنا، غير أنه أنفق نصف القرن التالي في خدمة سؤال ديني آخر، هو كيف يفهم الغربُ دينا ظل يخافه أكثر مما يعرفه؟
رحل جون لويس إسبوسيتو أمس الأربعاء في فيلادلفيا عن 86 عاماً، بمضاعفات جراحة في القلب، كما جاء في بيان مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورجتاون، المركز الذي أسسه الراحل وظل اسمه مقترنا به 3 عقود.
ولطالما وًصف الأكاديمي الراحل بأنه أحد أكثر دارسي الإسلام من غير المسلمين تأثيرا في جيله، فيما ذهب بيان الجامعة أبعد من ذلك حين قال إنه "وحده تقريبا حدّد وصاغ الدراسة الحديثة للإسلام والمجتمعات المسلمة"، وعاش إسبوسيتو حياة قامت على مفارقة كاثوليكي ممارس احتفى به العالم الإسلامي من كوالالمبور إلى شمال أفريقيا، وهاجمه في بلاده خصوم رأوا فيه "محاميا" عن دين ليس دينه، أما هو فكان يبتسم – كلما وصفه أحد بأنه مسلم متخف – ويواصل الكتابة.
وُلد جون لأب كان يعمل في صناعة كاميرات برنامج الفضاء الأمريكي وأم خياطة ماهرة شديدة التدين، ورث عنها عمق الإيمان وعن أبيه هاجس العدل ومعونة الآخرين. كان هو وشقيقه لو من فتيان المذبح النشطين حتى نالا جوائز على خدمة أكبر عدد من القداديس، وما إن بلغ الصف الخامس حتى عقد العزم على الالتزام بسلك الكهنوت، كما روى فيلم "إرث جون إسبوسيتو" الذي أنتجه مركز الوليد عام 2024 وروته زوجته جين بصوتها.
وبحسب الفيلم، كانت الزيارات العائلية مقيدة بصرامة، فلا مغادرة للدير إلا لموت أحد الأهل المباشرين، وكان يرتدي الجبة الفرنسيسكانية البنية الخشنة دوما، ويستيقظ قبل الخامسة فجرا، يصلي وينشد خمس مرات في اليوم، ويأكل في صمت، محروما من المذياع والتلفاز والصحف بوصفها ملهيات لا لزوم لها، وكانت نافذته الوحيدة على العالم رخصة هواة اللاسلكي التي أتاحت له محادثة أناس في أقاصي الأرض، وبعد عشر سنوات اتخذ قراره الصعب بمغادرة الرهبنة، قبل عامين فقط من موعد ترسيمه كاهنا.
وانتقل إلى شقة والديه في جيرسي سيتي، في مبنى كان يحمل اسم "جورجتاون"، وللمصادفة فقد كان نفس اسم الجامعة التي درس فيها لاحقا، وفي كنيسة سيدة النصر بالمدينة، حيث تطوع لقيادة مجموعة شبابية، التقى طالبة جامعية تعمل موظفة استقبال مسائية في دار القسيسية اسمها جين، وتزوجا في العام التالي، وراحت تدرّس الإنجليزية في الثانويات لتعينه على الدراسات العليا.
💬 التعليقات (0)