الكاتب: المهندس يزن فواز عقل
في صبيحةٍ عاديّةٍ من صباحات إحدى مؤسّسات الدولة، اجتمع مجلسٌ رفيعٌ ليقرّر مصير مشروعٍ وطنيٍّ كبير. كانت الأرقام على الطاولة لامعة، والعروض مُتقَنة، والحماسة في أوجّها. أُقرَّ المشروع، وصُرِفت له الأموال، وقُطعت الأشرطة أمام الكاميرات. وبعد عامين، وقف الجميع أمام هيكلٍ مُعطَّلٍ لم يُنجز غايتَه: لقد امتلكوا الوسيلة، وامتلكوا الهدف، لكنهم لم يمتلكوا الحلقة التي تربط بينهما. لم يسأل أحدٌ سؤالاً واحداً بسيطاً: ما هي خُطّتنا؟ لقد نُفِّذ الفعل، ثم اكتُشف أنّ الفعل بلا استراتيجيةٍ ليس إلّا حركةً في الفراغ. هذه الحكاية، بصيَغها المتكرّرة، تتردّد في دهاليز كثيرٍ من مؤسّساتنا، وهي المدخل الأصدق لفهم كلمةٍ صارت على كلّ لسان، ونادراً ما فُهم مقصودها: «الاستراتيجية».
تُستخدم كلمة «استراتيجيّة» اليوم في مختلف ميادين الحياة حتى أصبح من الصعوبة بمكانٍ تحديدُ المقصود بها على وجه الخصوص. وهذه السيولة في الاستخدام، وإن دلّت على شيء، فإنما تدلّ على أهمّية المفهوم لا على وضوحه. فما الذي تعنيه هذه الكلمة في أصلها؟ ولماذا انتقلت من ساحة الحرب إلى إدارة شؤون الدولة كلّها؟
تعبير «الاستراتيجية» (Strategy) مشتقٌّ في أصله من الكلمة اليونانية (Strato) بمعنى الجيش أو الحَشْد، ومن مشتقّاتها (Stratego) التي تعني فنّ القيادة، و(Stratagem) التي تعني الخُدعة الحربية في مواجهة العدوّ. وقد ألّف القائد الروماني «سكستوس يوليوس فرونتينوس» كتاباً جمع فيه عمليات الخداع العسكري الناجح للقادة السابقين. غير أنّ اللافت أنّ الكلمة لم تُستخدم بصيغتها الحديثة حتى أواخر القرن الثامن عشر تقريباً، وكان الكاتب الفرنسي «جولي دي ميزروا» من أوائل من استعملها قُبيل الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩. وهكذا وُلدت الكلمة في رحم الميدان العسكري، ثم لم تلبث أن غادرته.
لقد اتّسع مدلول اللفظ اتّساعاً بعيداً عن أصله الحربيّ. فصار يُقال «الموقع الاستراتيجي» لقناة السويس أو للخليج العربي، ويُوصف قرارٌ سياسيٌّ أو اقتصاديٌّ بأنه استراتيجيّ، وتُنعت بعض السلع بأنها استراتيجية كالنفط، وتُسمّى معاهدات الحدّ من الأسلحة معاهداتٍ استراتيجية. والحقيقة التي أدركها منظّرو الفكر المعاصر أنّ حصر الاستراتيجية في التدريب العسكري وحده هو تضييقٌ لمفهومٍ أوسع من ذلك بكثير؛ إذ إنّ التطوّرات التي مرّت بها المجتمعات منذ منتصف القرن الثامن عشر جعلت الدولة مؤسّسةً ذات مضمونٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ و أكاديمي لا مؤسّسةً عسكرية فحسب.
لم تعُد مسؤولية الدولة مقتصرةً على تأمين الكفاية الدفاعية لضمان وجودها، بل أصبح عليها أن تؤمّن متطلّبات المجموعة الاجتماعية المتواجدة ضمن إقليمها. فبناء الدولة لا يقوم على متانة قاعدتها العسكرية فقط، وإنما على قوّة بنيانها الاقتصادي والاجتماعي، وقدرتها على إقامة علاقاتٍ دوليةٍ متوازنة. ومن هنا تفرّعت الاستراتيجية إلى ميادين متعدّدة، لكلٍّ منها تجربتُه:
💬 التعليقات (0)