تجاوزت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة مجرد كونها حربًا تستهدف الأرض والإنسان، أو مجرد محاولة عسكرية لفرض وقائع جديدة عبر القتل والتدمير والتجويع والتهجير، إلى مستوى أكثر عمقًا وخطورة، الأمر الذي يكشف عن تَحَوُّل في طبيعة الاستراتيجية الصهيونية ذاتها، من مفهوم استراتيجية إدارة الصراع الذي حكم السياسة الإسرائيلية لعقود، إلى محاولة هندسة التفكك الفلسطيني وإعادة تشكيل الحالة الفلسطينية، بما يخدم أهدافًا تتجاوز اللحظة العسكرية، نحو إعادة صياغة شروط الوجود الفلسطيني السياسي والاجتماعي.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التناقضات المتراكمة التي تواجه المشروع الصهيوني؛ إذ أن استمرار التفوق العسكري لم ينتج حسمًا تاريخيًا، كما أن القدرة على السيطرة لم تتحول إلى قدرة على إنهاء حضور الشعب الفلسطيني أو تجاوز قضيته. فبعد عقود من الاحتلال والاستيطان، ورغم ما امتلكته إسرائيل من قوة عسكرية ودعم سياسي واسع، خاصة من واشنطن ومن يدور في فلكها، بقي الفلسطيني حاضرًا كهوية وطنية وفاعلًا سياسيًا وتاريخيًا، كما بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي.
ومن هنا، فإن الانتقال من محاولة الحسم إلى محاولة التفكك لضمان الحسم لا يعكس فائضًا في القوة بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي للمشروع الصهيوني. فعندما تعجز القوة عن إنتاج استسلام سياسي، يصبح الرهان على إنهاك حامل القضية ذاته؛ أي المجتمع الفلسطيني عبر إضعاف شروط تماسكه، وتقويض مؤسساته، وتشويه وعيه الجمعي، وتعميق تناقضاته الداخلية وتحويلها إلى بديل عن المواجهة مع الاحتلال ومنظومة السيطرة الاستعمارية. وهنا يجب التوقف أمام اتساع ظواهر تضخيم واشعال التباينات الثانوية وتحولها إلى حالة احتراب إعلامي تملأ الفضاء العام، لا سيما في ظل تراجع المشترك وغياب قيادة تمتلك رؤية جامعة وثقة متبادلة مع شعبها ومع المجتمع، لتُبقي البوصلة دومًا في مواجهة استراتيجيات الإبادة والتهجير.
هندسة التفكك: استراتيجية اعتراضية في مواجهة مأزق المشروع الصهيوني
إن مفهوم “هندسة التفكك” لا يعني مجرد الاستفادة من واقع الانقسام الفلسطيني فقط، بل يشير إلى محاولة تحويل هذا الانقسام إلى مسار دائم يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني من داخله. فالمطلوب ليس فقط منع الوحدة السياسية، وإنما إضعاف القدرة على إنتاج وحدة وطنية ذات معنى، بحيث يصبح الفلسطينيون منشغلين بإدارة أزماتهم الداخلية أكثر من قدرتهم على مواجهة المشروع الذي وَلَّد هذه الأزمات واستثمر فيها.
تأتي هذه الاستراتيجية في سياق مأزق أوسع يواجه المشروع الصهيوني نفسه. فقد ذهب عدد من الباحثين، ومن بينهم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، إلى أن المشروع الصهيوني يواجه أزمة بنيوية قد تهدد استمراره بصيغته الحالية. ولا يعني ذلك بالضرورة انهيارًا وشيكًا، وإنما يشير إلى أن التناقض بين منطق السيطرة الدائمة وبين استحالة إنهاء الوجود الفلسطيني يضع المشروع أمام أسئلة تاريخية عميقة حول مستقبله.
💬 التعليقات (0)