ليست كل الأطباق مجرد وصفات، فبعضها يحتفظ بذاكرة شعوب بأكملها. وفي المغرب، لا يثير اجتماع السكر مع اللحم أو البرقوق مع الطاجين أي استغراب، رغم أنه يبدو غير مألوف في كثير من المطابخ. فما الذي جعل هذا المزج يصمد عبر قرون؟ وكيف تحول من أسلوب في الطهي إلى إحدى السمات المميزة للمطبخ المغربي؟
لا يفسر باحثو تاريخ الغذاء هذا التقليد بأنه مجرد تفضيل للمذاق، بل يرونه نتاج ذاكرة حضارية تشكلت عبر قرون من التجارة والهجرات والتبادل الثقافي، حتى غدا المزج بين الحلو والمالح أحد أبرز ملامح الهوية الغذائية للمغرب.
في دراسته "تاريخ الغذاء في المغرب.. مراجعة ببليوغرافية"، يوضح المؤرخ المغربي محمد حبيدة أن فهم المطبخ المغربي لا ينفصل عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. ويستعرض أبرز الدراسات التي تناولت تطور الغذاء، ومنها أبحاث عالم الاجتماع الأمريكي برنارد روزنبرغ، التي توضح كيف أسهمت التجارة والهجرات والتحولات الاقتصادية في تشكيل المائدة المغربية.
وتشير هذه الدراسات إلى أن كثيرا من ملامح المطبخ المغربي تبلورت خلال العصور الوسطى، حين كان المغرب محطة رئيسية على طرق التجارة التي ربطت إفريقيا جنوب الصحراء بالبحر المتوسط.
من بين أبرز الدراسات التي تناولت هذا الموضوع، دراسة الباحث المغربي محمد أوباحلي عن مخطوط "زردة"، الذي يوثق وصفات كانت تُحضَّر في المغرب منذ قرون، ومن بينها التفاية، وهي خليط من البصل المطهو حتى يكتسب مذاقًا حلوًا، يضاف إليه الزبيب والسكر أو العسل والقرفة، ويُقدَّم إلى جانب أطباق اللحم والدجاج.
ويرى أوباحلي أن هذه الوصفات تكشف أن المزج بين الحلو والمالح لم يكن استثناء في المطبخ المغربي، بل كان جزءًا أصيلًا من تقاليد الطهي منذ قرون، واستمر حتى أصبح اليوم إحدى أبرز السمات التي تميزه.
💬 التعليقات (0)