كما كان متوقّعاً، أصدر الرئيس الفلسطيني، محمود عبّاس، مرسوماً بإجراء انتخابات المجلس التشريعي في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في الثلث الأول من العام المقبل (2027). ويطرح القرار سؤالاً أساسياً: لماذا الآن؟ وما الذي تغيّر مقارنةً بعام 2021، حين أُلغيت الانتخابات وهي على وشك دخول مرحلتها الأخيرة، بعد اعتماد 36 قائمة انتخابية، ولم يبقَ سوى الدعاية الانتخابية والاقتراع؟
وقبل تقييم هذا التوجّه، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدعوة إلى الانتخابات تأتي فيما تواجه القضية الفلسطينية أخطر مراحلها، في ظلّ حرب إبادة وعمليات تهجير، ومحاولات لإعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بما يخدم مشروع تصفية القضية. لذلك، تبدو الأولويات كأنّها مقلوبة؛ أشبه بهرم يقف على رأسه بدلاً من أن يقف على قاعدته. ومع هذا، لا ينبغي التسليم بأنّ ما يُخطَّط للفلسطينيين قدر محتوم، فما زال هناك طريق آخر للإنقاذ إذا توافر الوعي والإرادة والقيادة القادرة على توحيد الشعب. وإذا نظرنا إلى الواقع الراهن، نجد أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية أكثر تطرّفاً وعنصريةً من التي كانت قائمةً في2021، ما يجعلها أكثر تشدّداً في رفض إجراء انتخابات فلسطينية تجدّد شرعية سلطة تريد تكريس تحوّلها إلى مجرّد إدارة للسكّان تحت الاحتلال، بلا مضمون سياسي أو وطني أو أفق للاستقلال.
بل إنّ أوساطاً مؤثّرةً داخل الحكومة الإسرائيلية تدعو صراحةً إلى حلّ السلطة الفلسطينية واستبدالها بإدارات محلّية مرتبطة بالاحتلال. وفي الوقت نفسه، تواصل حكومة نتنياهو بن غفير سموتريتش تنفيذ مشروعها القائم على حسم الصراع عبر تصفية القضية الفلسطينية، من خلال التهجير والإبادة والاستيطان واحتلال قطاع غزّة، وضمّ أجزاء واسعة من الضفّة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، إلى جانب تكريس نظام الفصل العنصري وتصعيد الاعتداءات ضدّ الفلسطينيين في الداخل. كما أنّ دخولها مرحلة انتخابية يجعلها أكثر تشدّداً، وقد تدفع نحو تأجيل الانتخابات الإسرائيلية نفسها عبر استئناف الحرب أو إحداث أزمات جديدة، بما في ذلك منع مشاركة بعض الأحزاب العربية والتضييق عليها.
إصرار أميركي وإسرائيلي وأوروبي على استبعاد "حماس" من أيّ عملية سياسية يضرب العملية الديمقراطية في جوهرها
في ظلّ هذا الواقع، يصبح السؤال: كيف تكون الأولوية للانتخابات قبل بناء استراتيجية وطنية لمواجهة هذه المخطّطات؟ وكيف يمكن توقّع سماح إسرائيل بانتخابات فلسطينية تعزّز الشرعية الوطنية ووحدة الضفّة الغربية وقطاع غزّة؟ لن تسمح بهذا إلا إذا ضمنت أن تفضي إلى سلطةٍ أكثر ضعفاً وخضوعاً، أو إذا رأت فيها مدخلاً لمزيد من الانقسام والفوضى والاقتتال الداخلي، أو إذا اضطرّت إلى هذا بفعل ضغوط خارجية لا تبدو متوافرةً. قد يقال إنّ إدارة ترامب أو الدول الغربية ستضغط على إسرائيل للسماح بإجراء الانتخابات، لكنّ هذا الاحتمال ضعيف، فترامب لم يُعرف بحماسته لنشر الديمقراطية. وأوروبا، رغم اختلاف خطابها، لا تبتعد كثيراً من الموقف الأميركي، وهي تدعم الانتخابات بقدر ما تنتج سلطةً تلتزم ببرنامج منظّمة التحرير والتزاماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وبما يُسمّى "دفتر الإصلاح الأميركي - الأوروبي".
ولن ترحّب بمجلس تشريعي أو بحكومة تضمّ قوى تصنّفها إرهابيةً، حتّى لو أزيلت كلمة "الالتزامات" من قانون الانتخابات، ما دام القانون يشترط الالتزام ببرنامج منظّمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية. أمّا دوافع الرئيس والسلطة، فتتمثّل في الحاجة إلى تجديد الشرعية وضمان الاستمرار، والسعي إلى الحصول على دعم عربي ودولي مشروط بما يُسمّى "الإصلاح"، وهو إصلاح لا ينسجم بالضرورة مع الإصلاح الحقيقي الذي يطالب به الشعب الفلسطيني، بل قد يكون، كما وصفه رئيس الحكومة السابق، محمّد اشتية، "باطلاً يُراد به باطل".
💬 التعليقات (0)