الحلقات التسع التي نُشرت، لم تكن بحثاً أو دراسةً أو تقويماً لعمل الصحافة والإذاعة والتلفزيون، في حياتنا الفلسطينية، بل كانت أقرب إلى سردٍ مختصرٍ جداً لمسيرتي الطويلة في مجال العمل الإعلامي، الذي غادرته إلى العمل السياسي والديبلوماسي، حيث أُسندت لي مهامٌ في إدارة أكبر سفارتين هما موسكو لمدة خمس سنوات، ثم القاهرة وجامعة الدول العربية لمدة سنتين، وحين تركت العمل فيهما عدت لممارسة عملي الإعلامي، متحرراً من قيود الوظيفة الرسمية، والالتزام الحكومي.
وفي الحلقات التالية سأتحدث عن الإعلام الفلسطيني بإجماله مع إشاراتٍ لبعض خصائصه والتحوّلات التي طرأت عليه.
وفي مجال الإعلام السياسي الذي تكرس التلفزيون كأقوى المنابر المعبرة فيه عن المواقف والسياسات، فإن المتحدث خصوصا من صنف البشر الذين يعجبون بأنفسهم، ويصدقون كلمات الإطراء التي يقولها منافقون أو مجاملون أو أصحاب مصلحة، يبدو جاهلا تماما بأهم قواعد الصدقية في مجال التعبير عن الموقف وهي ضرورة أو حتى حتمية معرفة مستوى وعي الجمهور الذي يخاطب.
ذلك أن الدفاعات الساذجة التي يعتمدها المدافعون بركاكة أدائهم، تحقق نتائج عكسية تماماً عند الجمهور الذي اكسبته تعددية المنابر خبرة في التمييز بين الغث والسمين فيما يرى ويسمع.
منذ نشوء القضية الفلسطينية في أوائل القرن الماضي، كانت بمثابة الإلهام المركزي، لكل مجالات الإبداع العربي وخصوصاً في مجال الثقافة والإعلام، وفي هذا الجزء من رحلتي، سأركز معالجتي للإعلام على الفترة التي تأسست فيها السلطة الوطنية على جزء من الوطن، بما فرضه ذلك من تغيير جوهري في الخطاب على صعيد المحتوى والآفاق والأهداف وحتى الأدوات. لن أدعي أني بهذا النص أعالج الإعلام الفلسطيني من كل جوانبه، كما لو أني أجري بحثاً تفصيلياً حوله، ولكني سأحاول معالجة الإعلام في زمن السلطة ومواكبته للقضايا والأحداث التي نشأت في عهدها، وكيف أسهم الإعلام في رسم صور غير دقيقة ان لم أقل غير صحيحة عن الواقع الذي نشأ في زمن الرهان على التسوية الجزئية، كما لو أنها مقدمة حتمية لولادة وضع فلسطيني جديد من كل النواحي، حيث إنهاء الاحتلال بعد انتهاء السنوات الخمس التي هي الفترة الانتقالية حسب وصف نصوص أوسلو، وانبثاق حياة جديدة يتمتع فيها الشعب الفلسطيني وهو في الطريق إلى الدولة بأفضل ما تتمتع به الشعوب المستقلة والدول المتقدمة. ولعل كثيرين يذكرون المصطلحات التشجيعية المخترعة والساذجة التي صارت في سياق التجربة العملية شديدة التعثر مجرد عمل دعائي تضليلي، مثل الوعد بتحويل الضفة وغزة إلى سنغافورة جديدة، يعوض فيها الفلسطينيون ما حرموا منه طيلة العقود التي عاشوها منذ احتلال وطنهم التاريخي في أوائل القرن الماضي، إلى ولادة السلطة الوطنية التي استقبلها الفلسطينيون كما أسلفت كمقدمة بديهية للدولة الكاملة القادمة.
وقعت الطبقة السياسية الفلسطينية وهي في غمار تجربة جديدة في مرحلة ما بعد الاعتراف بإسرائيل، في إسار حالة من شعور خفي بالذنب، فتأثر خطابها السياسي بهذه الحالة، فصار خطاباً تبريرياً لما حدث، ونشأ تنظير غير مألوف لمزايا الاعتراف بإسرائيل، بالاعتماد على أن هذا الاعتراف هو الممر الإجباري لإنهاء الاحتلال، والحصول على الاستقلال. وكان المتكأ الفكري لهذا الاتجاه السياسي والإعلامي، القرار الذي اعتبر كما لو أنه دستور، الصادر عن المجلس الوطني في دورته التي شرّعت لإقامة السلطة الوطنية على أي جزء يندحر عنه الاحتلال. كانت هناك رغبة فلسطينية جماعية بمغادرة المنفى إلى الوطن، خصوصاً بعد أن ضاق المنفى على الطبقة السياسية، فحوصرت وقلت مواردها حد الوقوف على حافة الإفلاس المالي والسياسي، وكانت قراءة هذه الطبقة للأحداث التي وقعت في حقبة ما قبل أوسلو، تتجه إلى اليقين بأن التطورات التي شهدتها المنطقة والعالم لا تجري في مصلحة الأهداف المحددة للحركة الوطنية الفلسطينية، فقد انهار الاتحاد السوفياتي الذي كان الفلسطينيون يسوقونه لأنفسهم كحليف وسند استراتيجي. وضعف دور الحليف المتبقي للفلسطينيين "صدام حسين" وطرحت فكرة مؤتمر مدريد للسلام. التي أحبت الطبقة السياسية الفلسطينية اعتبارها فرصة يتعين عليها أن لا تفوتها، خصوصا ًبعد أن شاعت اتهامات لهذه الطبقة بأنها لا تترك فرصة لإضاعة الفرص إلا وتغتنمها.
💬 التعليقات (0)