في مساء يوم 27 مارس/آذار 1999، حلقت طائرة أمريكية شبحية من طراز "إف-117 نايت هوك" في سماء صربيا، ضمن موجة من الغارات التي نفذها حلف شمال الأطلسي (الناتو) لدفع القوات الصربية إلى الانسحاب من كوسوفو. كانت "إف-117" أول مقاتلة شبحية عملياتية في التاريخ، وقد جسدت في ذلك الوقت ذروة الثقة الأمريكية في تفوقها التقني بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وبهذا، كانت المقاتلة نموذجا لسلاح ولد في نهاية الحرب الباردة يكرس لحقبة عالم أحادي القطب.
إلى جانب ذلك، بدت مهمة المقاتلة في المتناول؛ فهي تحلق ليلا وتحمل قنابل موجهة، وتتحرك تحت مظلة كثيفة من الإنذار المبكر والتشويش الإلكتروني الذي يغطي سماء البلقان، لتنفيذ ضربة سريعة ثم الانسحاب في صمت.
في المقابل، ربضت في محيط بلغراد بطارية صواريخ من طراز "إس-125 نيفا" المعروفة لدى الناتو باسم "سام-3″، وهي منظومة دفاع جوي سوفياتية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، صممت لاعتراض الطائرات على ارتفاعات منخفضة إلى متوسطة. وبمقاييس عام 1999، بدت البطارية أشبه بأداة من زمن مضى في مواجهة أحدث ما أنتجته الصناعات الجوية الأمريكية.
"كانت المواجهة محسومة على الورق سلفا، لكن الحسابات النظرية لا تصمد دوما أمام تعقيدات الحرب"
كانت المواجهة محسومة على الورق سلفا، لكن الحسابات النظرية لا تصمد دوما أمام تعقيدات الحرب. فالضابط الصربي الذي قاد البطارية كان يدرك أن تشغيل الرادار بشكل مستمر يعني منح الطائرة الشبحية فرصة لرصد إشعاعه الراداري وتحديد موقعه بدقة، مما يعرضه لهجوم مضاد، ولذلك، اختار تكتيكا أبسط وأكثر حذرا، فقام بتشغيل الرادار لبضع ثوان فقط ثم إغلاقه، وقد كرر ذلك مرة تلو الأخرى، مع تغيير موقعه بين آن وآخر. كانت الفكرة شبيهة بإضاءة مصباح يدوي في الظلام للحظة قصيرة جدا لرؤية ما أمامك، قبل أن تطفئه كي لا يراك أحد.
هذه الومضات الرادارية كانت كافية لالتقاط صدى ضعيف للمقاتلة الشبحية، لا سيما عند تكرار مرورها في المسار ذاته أو بالقرب منه، مما مكن الضابط من تقدير اتجاهها وارتفاعها بشكل تقريبي، وتهيئة الصاروخ للإطلاق في اللحظة المناسبة، مما أدى إلى إسقاط المقاتلة.
💬 التعليقات (0)