لا تبدأ الأزمات الاقتصادية دائما بانهيار المصانع أو توقف المشاريع الكبرى وإنما قد تنكشف من خلال اختفاء أدوات بسيطة يعتمد عليها الإنتاج اليومي. ففي قطاع غزة، تحولت مستلزمات لا يتجاوز ثمنها في الظروف الطبيعية بضعة شواكل إلى سلع استراتيجية يصعب العثور عليها، الأمر الذي أحدث شللا في عشرات المهن والحرف ورفع تكاليف الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة وألقى بظلاله على مختلف مفاصل الاقتصاد المحلي.
وتكشف هذه الظاهرة عن تشوه هيكلي في السوق وليس مجرد ارتفاع عابر في الأسعار أو نقص مؤقت في المعروض. فالاقتصاد لا يعمل بوفرة السلع الاستهلاكية وحدها وإنما يعتمد على توافر مدخلات الإنتاج التي تضمن استمرار عمل الورش والمصانع والخدمات.
وعندما تختفي هذه المدخلات تتوقف مهن كاملة عن الإنتاج وتتسع دائرة الركود لتشمل قطاعات البناء والنقل والصيانة والخدمات بما يضاعف الخسائر الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن اختلال تركيبة الواردات يعمق الأزمة إذ لا يكفي دخول كميات من السلع الغذائية والمساعدات الإنسانية إذا كانت الأسواق تفتقر إلى المواد الخام والأدوات التي تعيد تشغيل الاقتصاد المحلي. فالإغاثة تلبي الاحتياجات الآنية في حين تتطلب عملية التعافي الاقتصادي إعادة بناء سلاسل الإنتاج وتوفير مستلزمات العمل اليومية مهما بدت صغيرة أو منخفضة القيمة.
وفي ظل هذا الواقع، برزت أسواق موازية للمواد المستعملة وقطع الغيار المستخرجة من الركام وهو ما يعكس قدرة المجتمع على التكيف وفي الوقت نفسه يكشف انتقال الاقتصاد إلى مرحلة "اقتصاد البقاء"، حيث يصبح الهدف الحفاظ على الحد الأدنى من النشاط عوضا عن تحقيق النمو أو جذب الاستثمارات. كما يؤدي الاعتماد على بدائل غير مطابقة للمواصفات إلى تراجع جودة المنتجات والخدمات وارتفاع تكاليفها.
إن أي رؤية جادة للتعافي الاقتصادي في غزة ينبغي ألا تقتصر على إدخال المعدات الثقيلة أو تمويل مشاريع إعادة الإعمار وإنما تبدأ بضمان تدفق مستلزمات الإنتاج الأساسية التي تمثل الحلقة الأولى في سلسلة النشاط الاقتصادي.
💬 التعليقات (0)