قبل فترة، فاجأني الصديق عماد شقور بإهدائي نسخة من كتابه "المبادرات الوطنية: الماضي والحاضر والمستقبل"، والمفاجأة ليست في الإهداء فقط، بل في اكتشافي أنه ثابر على معايشة مبادراته لعقود، في طريق هذا الكتاب، وكأنها دستوره وكتابه المقدس، وحولها مع الزمن إلى هاجسٍ يوميٍ في فكره وقلبه وضميره وذاكرته، على الرغم من عدم التعامل بجدية معها من رأس الهرم ومن حوله عندما طرحت في غابر الأزمان.
بالنسبة له، كانت المبادرات مسرحا استثنائيا وجسراَ أساسياً لإمكانية تحصيل حقوق فلسطينية مغيبة، فردية كانت أم جماعية، لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بالنسيان. وقد ناقشني وغيري بقناعاته أن المبادرات الوطنية هي المدخل العملي الأفضل، لتحويل هذه الحقوق من شعارات إلى ملفات قانونية موثقة، تضغط على إسرائيل، وتعيد إحياء قضايا مغيبة تماما عن المسرح السياسي، مثل الأملاك الخاصة والأوقاف والخسائر المالية والمعنوية لشعبنا الفلسطيني.
بظني، أنه ربما في شغفه بهذا الموضوع، لم ينتبه أنه يروج لبناء أرشيف وطني شامل بالحقوق غير السياسة أو السيادية، وإطار قانوني للتعويضات، وبنية تحتية رقمية متينة جامعة، تتحول على أساسها كل قضية فردية ومؤسسية وجماعية من قضايا النكبة والنكسة وغيرها، إلى جزء من قوة جماعية، يعتبر الاستثمار فيها استثماراً في مستقبل القضية في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمالية، المكملة للشق السياسي، وضماناً لاستمرارها عبر الأجيال، ورسالة أمل بأن العدالة قابلة للتحقيق، عندما تتحول الذاكرة إلى عمل منظم ومستمر.
في زمن التحديات المصيرية ونحن على حافة الاندثار وتغييب المسارات السياسية، يقدم هذا الكتاب مشروع رؤية عملية متكاملة قابلة للتأطير والبرمجة، لا تقف عند حدود التحليل النظري، بل تفتح أبوابا واسعة نحو مشوار طويل ومنهجي لاستعادة الحقوق الفلسطينية غير السياسية والسيادية. ومنذ تعرفت إليه قبل عقود، كانت مبادراته هذه هاجسه اليومي، تسكن ضميره وتوقد ذاكرته.
لم تكن مجرد أوراق على مكتب باحث، بل محاولة ذكية ومؤثرة لتحسين شروط الموقف الفلسطيني في مواجهة واقع معقد. إنها أكثر من مجرد مبادرات مالية أو حقوقية أو تنموية، ولكنها قد تشكل مدخلاً لتحصيل حقوق أبعد بكثير من الحق في الدولة، بل هي الحق في استعادة الحياة بكل تفاصيلها: الأرض التي ترويها الذكريات، المنزل الذي يأوي أرواح الأجداد، والمستقبل الذي يستحقه كل فلسطيني فرداً وشعباً. وفي كل سطر من الكتاب يتردد صوت الأمل المقاوم، صوت من يرفض أن يتحول الشعب إلى ضحية منسية، ويصر على أن يبقى صاحب حق مرابط على ثغر حقه بكل قوة.
هذا المقال لا يقيّم المبادرات الواردة في الكتاب فنياً أو قانونياً أو واقعياً، بل يسعى لإبراز أهميتها مبدئياً كمدخل لمواجهة مخاطر تغييب الحقوق الفلسطينية المصانة بالقانون الدولي، ولكنها صامتة ومخفية بين التفاصيل. فالحقوق في الأملاك والتعويضات والسردية الوطنية لا تسقط بالتقادم، وتظل قائمة رغم الاحتلال، كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري عام 2004 بشأن جدار الفصل والتوسع العنصري.
💬 التعليقات (0)