لا تُقاس قيمة الانتخابات فقط بنتائجها النهائية، بل تبدأ من طبيعة القواعد التي تحكمها، ومدى عدالتها في ضمان حرية مشاركة المواطن وقدرته على المنافسة السياسية، فالانتخابات في أي نظام ديمقراطي ليست مجرد وسيلة لاختيار ممثلين، وإنما هي التعبير العملي عن مبدأ أساسي يقوم عليه الحكم الدستوري: أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن المشاركة السياسية حق أصيل للمواطنين.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحالة الفلسطينية، حيث تأتي الانتخابات في سياق استثنائي يتسم بالانقسام السياسي، وتعقيدات الواقع بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والتحديات المرتبطة بمشاركة القدس، إضافة إلى أزمة الثقة المتراكمة بين المواطن والمؤسسات السياسية، ولذلك فإن أي تعديل يمس شروط الترشح لا يمكن النظر إليه باعتباره إجراءً فنيًا فقط، بل باعتباره جزءًا من النقاش الأوسع حول طبيعة الشرعية السياسية ومستقبل النظام السياسي، فالانتخابات لا تستمد شرعيتها فقط من إجراء الاقتراع، وإنما من قدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية بصورة شاملة تمثل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
ومن هنا يبرز الجدل حول المرسوم الرئاسي الذي عدّل قانون الانتخابات، وما تضمنه من منع العاملين في القطاع العام من الترشح، باعتباره سؤالًا دستوريًا يتجاوز حدود التنظيم الانتخابي: هل يمثل هذا المنع إجراءً مشروعًا لحماية حياد الوظيفة العامة وضمان نزاهة الانتخابات، أم أنه يشكل قيدًا غير متناسب مع حق سياسي أساسي؟
لا شك أن حماية حياد الوظيفة العامة هدف مشروع في أي نظام ديمقراطي، فالموظف العام يؤدي وظيفة باسم الدولة، ومن الضروري ضمان عدم استخدام النفوذ الإداري أو الموارد العامة لصالح طرف انتخابي معين، لكن الإشكالية الدستورية لا تتعلق بمشروعية الهدف، وإنما بالوسيلة المستخدمة لتحقيقه.
فالقانون الدستوري لا يكتفي بالسؤال عن مشروعية الغاية، بل يبحث أيضًا فيما إذا كانت الوسيلة ضرورية ومتناسبة معها، وهناك فرق بين تنظيم ممارسة الحق وبين تقييده بصورة تؤدي إلى إفراغه من مضمونه،فمن حق الدولة وضع ضوابط تمنع استغلال الوظيفة العامة، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بألا تتحول هذه الضوابط إلى وسيلة لإقصاء فئة واسعة من المواطنين عن المشاركة السياسية.
فالوظيفة العامة ليست حالة واحدة متجانسة؛ إذ تختلف طبيعة الصلاحيات والمسؤوليات بين موظف وآخر، ولذلك فإن التمييز بين الوظائف التي قد تؤثر مباشرة على نزاهة الانتخابات وبين بقية الوظائف يمثل عنصرًا مهمًا عند تقييم أي قيد على حق الترشح، أما المنع الشامل لجميع العاملين في القطاع العام، فإنه يثير تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبدأ المساواة والتناسب.
💬 التعليقات (0)