تمر القضية الفلسطينية اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا منذ عقود، في ظل حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصاعد غير مسبوق للاستيطان والضم في الضفة الغربية بما فيها القدس، واستمرار محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة تستهدف تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي خضم هذه التحولات الخطيرة، لم يعد الحديث عن إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية ترفًا سياسيًا أو استحقاقًا مؤجلًا، وإنما أصبح ضرورة وطنية وسياسية ودستورية، ورسالة واضحة إلى العالم تؤكد أن الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والعدوان، ما زال متمسكًا بخيار الدولة، وبقيم الديمقراطية، وبحقه في اختيار ممثليه عبر صناديق الاقتراع.
إن الاحتلال الإسرائيلي يسعى بصورة متواصلة إلى تصوير الحالة الفلسطينية باعتبارها كيانًا عاجزًا عن إدارة نفسه أو بناء مؤسساته، ويستثمر حالة الانقسام وتعطل الحياة الديمقراطية لترويج روايته أمام المجتمع الدولي، مدعيًا غياب الشريك الفلسطيني القادر على تمثيل شعبه. ومن هنا، فإن استعادة العملية الديمقراطية تمثل ردًا عمليًا وسياسيًا على هذه الادعاءات، وتؤكد أن فلسطين، رغم الاحتلال، تمتلك مؤسسات دستورية وشعبًا يؤمن بالتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الطويل أنه من أكثر شعوب المنطقة تمسكًا بالممارسة الديمقراطية، فقد شهدت فلسطين انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية ونقابية في أصعب الظروف، وكان الإقبال الشعبي دائمًا تعبيرًا عن الإيمان بأن الديمقراطية جزء أصيل من المشروع الوطني، وليست ترفًا مرتبطًا بظروف الاستقرار.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من تعطل الانتخابات بفعل الانقسام السياسي والظروف التي فرضها الاحتلال، ثم الحرب الإسرائيلية التي فاقمت من حجم التحديات، بات من الضروري إعادة بناء الشرعية الشعبية للمؤسسات الوطنية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وفتح المجال أمام مشاركة جميع القوى الوطنية في إطار النظام السياسي الفلسطيني.
وفي هذا الإطار، فإن قرار الرئيس محمود عباس المضي نحو إصدار مرسوم بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، رغم التعقيدات السياسية والأمنية والظروف الاستثنائية، يعكس رؤية وطنية بعيدة المدى تؤكد أن بناء المؤسسات وتجديد الشرعيات لا يمكن أن يبقيا رهينة للأزمات. فهذا القرار يحمل رسالة واضحة بأن القيادة الفلسطينية تؤمن بأن قوة النظام السياسي تستمد شرعيتها أولًا من إرادة الشعب، وأن مواجهة التحديات الوجودية التي يفرضها الاحتلال تستوجب تعزيز الجبهة الداخلية، وتحصين المؤسسات الدستورية، وتجديد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، بما يرسخ أسس الحكم الرشيد ويعزز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة المشاريع التي تستهدف حقوقه الوطنية.
💬 التعليقات (0)