كلما أخبرت أحدًا أنك استخدمت الذكاء الاصطناعي في كتابة مقال، أو تحليل بيانات، أو تصميم فكرة، أو حتى تنظيم عملك، ستجد من ينظر إليك وكأنك ارتكبت خطأً مهنيًا أو أخلاقيًا. فجأة تتحول من شخص مجتهد إلى شخص "لا يفهم"، ومن باحث إلى "ينسخ ويلصق"، ومن مبدع إلى شخص يعتمد على آلة لا أكثر.
المثير للاهتمام أن كثيرًا من هؤلاء لا يسألون ماذا استخدمت، ولا كيف استخدمته، ولا ما الذي أضفته أنت إلى النتيجة. كل ما يهمهم أنك استخدمت الذكاء الاصطناعي، وكأن الأداة وحدها هي التي أنجزت العمل، بينما العقل البشري غاب تمامًا.
برأيي، المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى كل تقنية جديدة. هذه ليست المرة الأولى في التاريخ التي يحدث فيها ذلك. عندما ظهر الإنترنت قيل إنه سيقتل القراءة، وعندما انتشرت محركات البحث قيل إنها ستجعل الناس لا يحفظون المعلومات، وعندما ظهرت الهواتف الذكية قيل إنها ستنهي التواصل الحقيقي. واليوم جاء الدور على الذكاء الاصطناعي.
في كل مرحلة من مراحل التطور التقني، تظهر فئة ترفض الجديد لأنها لا تعرفه بعد، أو لأنها لم تتعلم كيف تستفيد منه، أو لأنها تشعر أن المهارات التي بنت عليها مكانتها أصبحت مهددة. وهذا رد فعل إنساني أكثر منه موقفًا علميًا.
لا أعتقد أن استخدام الذكاء الاصطناعي يلغي الإبداع، بل أرى أن سوء استخدامه هو الذي يلغي الإبداع. هناك فرق كبير بين شخص يطلب من الذكاء الاصطناعي أن يفكر بدلًا عنه، وشخص يستخدمه ليختصر الوقت، ويختبر الأفكار، ويحلل البيانات، ويطوّر إنتاجه. الأول يعتمد على الأداة اعتمادًا كاملًا، أما الثاني فيستخدمها كما يستخدم المهندس برامجه، والطبيب أجهزته، والمصور كاميرته، والمحاسب برامجه المالية.
المفارقة أن كثيرًا ممن ينتقدون استخدام الذكاء الاصطناعي يستفيدون يوميًا من تقنيات قائمة عليه دون أن يشعروا. يستخدمونه في محركات البحث، وفي الترجمة، وفي اقتراحات الفيديوهات، وفي الخرائط، وفي تصفية البريد الإلكتروني، وفي هواتفهم الذكية، لكنهم يرفضونه عندما يصبح ظاهرًا أمامهم.
💬 التعليقات (0)