لا يتجدد المشروع الوطني بتغيير الأشخاص وحدهم، بل باستعادة الشعب لدوره في قلب السياسة، ليصبح قادرًا على فرز القيادات والبرامج التي تحمل رؤية قادرة على مواكبة تحديات المرحلة.
في لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال الأهم: من يقود؟ بل: كيف يصبح الشعب قادرًا على اختيار من يقوده؟ ومن يحدد اتجاه المشروع الوطني؟ فالشعوب التي تواجه تحديات تاريخية لا تستطيع أن تبقى أسيرة معادلات سياسية صيغت لظروف مضت، لأن تغير الواقع يفرض مراجعة الأدوات، وتجديد الرؤية، وأحيانًا إعادة النظر في البنية القيادية نفسها.
وفي جوهر هذه المراجعة تبرز حقيقة أساسية: أن الشعب ليس مجرد مصدر للشرعية، بل هو غربال القيادة. فمن خلال وعيه، ومشاركته، وقدرته على التقييم والمساءلة، تُفرز القيادات القادرة على حمل المشروع الوطني، وتُراجع الأفكار التي لم تعد قادرة على الاستجابة لتحولات الواقع. فالقيادة لا تنشأ فقط من داخل المؤسسات السياسية، بل تتشكل أيضًا من طبيعة المجتمع الذي ينتجها، ومن مستوى وعيه، ومن قدرته على الاختيار والمحاسبة.
ومن هنا، فإن تجديد المشروع الوطني لا يبدأ فقط بالسؤال عن الأشخاص الذين يتولون المسؤولية، بل بالسؤال الأعمق: كيف نعيد بناء العلاقة بين الشعب والسياسة؟ وكيف ننتقل من مجتمع يتلقى القرارات إلى مجتمع يشارك في صناعتها؟ فالمشروع الوطني الذي ينفصل عن شعبه يفقد جزءًا من حيويته، أما المشروع الذي يجعل الشعب شريكًا حقيقيًا فيه، فإنه يمتلك القدرة على التجدد والصمود.
إن القضية الفلسطينية تقف اليوم أمام مرحلة تختلف في طبيعتها عن مراحل سابقة. فالمشهد السياسي يتغير بسرعة، وطبيعة الصراع نفسها تشهد تحولات عميقة. فالاحتلال يراكم الوقائع على الأرض، والإقليم يعيد تشكيل توازناته، والمجتمع الدولي يعيد ترتيب أولوياته، بينما تتسع لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين مشاعر الفجوة بين تطلعات الناس وأداء المؤسسات السياسية.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح تجديد المشروع الوطني ضرورة سياسية لا مجرد مطلب إصلاحي. لكن هذا التجديد لا يبدأ بالسؤال عن اسم القائد القادم، ولا عن شكل الترتيبات السياسية المقبلة، وإنما يبدأ بسؤال أكثر عمقًا: من أين تستمد القيادة شرعيتها؟ ومن يملك حق تحديد الأولويات ورسم اتجاه المشروع الوطني؟
💬 التعليقات (0)