مقابلات الصحفيّ محمد الجزّار، التي تؤصّل التاريخ، وتفتح البابَ للضوء
إنها مصر؛ أُمّ الدنيا، وكنانة الأمّة، وعاصمة العروبة، التي فتحت ذراعيها لأبناء فلسطين الأسرى الأحرار، الذين لم يجدوا أرضا راسخة إلا مصر.
وكان طبيعيا أن يهبّ الأشقاء المصريون، وهم يحتضنون المحرّرين، بكلّ كيفية، وعلى كلّ المستويات، أن يبحثوا، صحفيين وإعلاميين، في دفاتر الوجع الفلسطيني، ليساهموا في إضاءة ما حدث، وليواجهوا العدميّة القوميّة والنسيان، وأن يردّوا على آليات "تهويد المعرفة" في العالَم أجمع. وهنا بين دفتي هذا الكتاب؛ غير مقابلة نشرتها مجلة "روز اليوسف " الأشهر والأبهى، التاريخية، بقلم الصحفي الكاتب القمين بالمجد الأستاذ محمد الجزّار، والذي جمعها في كتاب"حكايات الأسير"، وقد فكّك المشهد المخبّأ في العتمة وأظهره، ليكشفه للدنيا، لتعرف الحقيقة، وتطلّ على عذابات مستحيلة واجهها المعتقلون في الأسر، وليحفظ معانياتهم، إجلالا لهذه التضحيات الباهظة المجيدة. فكلّ الشكر الجميل، من فلسطين، للأستاذ الأجمل محمد الجزّار، على ما اجترحه عبر هذه المقابلات، لتنتصر الحقيقة، وليثبت التاريخ على أقدام الحقيقة. إن هؤلاء الأسرى الذين تنفّسوا الحرية، إنما يمثّلون قطاعا أكثر سعة وتعدادا، من المعتقلين، الذين واجهوا فظاعات ممضّة فاشيّة، ما يكشف جزءا من تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية، عبر تاريخها الرجراج الثقيل..فكلّ شيء معتقلٌ في فلسطين؛ المحراب والجَرس والبرتقالة والأجنّة والطيور، ومسرى النبيّ الإمام، وقبر مَنْ قام من الموت إلى الحياة.
وليس لهذا النصّ الموجع أنْ يتوقّف، حتى يتخثّر دمُنا، ونغادر بيت الأحزان، لتليق بنا الحياة الجليلة.
إنّ الأخ محمد الجزّار، في هذا الكتاب يدقّ جرس الصلاة للكبش العاري، الذي خرج لتوّه من المسلخ، ونجا، نسبيّاً، في صحراء الماء! إنه ينفي منطق اللامنطق وهو يعي عبثية السؤال والجواب، وكيف سيداوي جرحه الأخضر المخبّأ في عينيه الواضحتين..وهل يستطيع أن يجعل من عشب الحوار أرضاً لغير بساطير البروتوكولات والأقنعة؟
كان الأسير، قبل حرّيته الناقصة، يتسابق مع سجّانه على جسده، الذي يعتقد أنه نقطة ضعفه، فيما كان الأسيرُ يفرد بساط الشّعر الطائر، ويعلو ويكبر ويمتدّ، ويطير ليرى أيامه القادمة، وأبناءه الذين سينجبهم، وكتبه التي سينشرها، والمدن التي سيزورها، والعربات التي ستحمل المحتل بعيداً عن وطنه. كان السجّان يضغط على ما يعتقد أنه ضعف الإنسان السجين، بالضرب مرّة، وبالحبس الإنفرادي مرّة، بالغاز أو بالجوع أو بالتخويف. أما الأسير، فيذهب إلى قصيدته وأغنيته وحلمه، وإلى الجَنين الذي يتكوّر في رحم أُمّه، ويسمّي أشياءه ويرتّبها، ويكتشف أن له ذخراً لا ينتهى من النماذج العظيمة التي لا تتكرر. كان النصّ يتحدّر منّه ليكتشف أَنه يبني قصيدته وروايته، على ملايين القصائد والروايات التى قيلت..فيفرح بأنه أعلى من سجّانه ومن سجنه، وأن قصيدته مثل البلاد والفضاء والموسيقى، أكبر من أن تُمتلك، وأكبر من أن تُدرك أو يُسبر غورها العميق.
💬 التعليقات (0)