يشير تجدد الضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، لليوم الثاني على التوالي، إلى أن مذكرة التفاهم التي كانت قد نجحت مؤقتًا في احتواء التصعيد فقدت فعاليتها العملية. فمع عودة الضربات الأمريكية على أهداف داخل إيران، وردّ طهران باستهداف قواعد أمريكية في دول الخليج، انتقلت الأزمة من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة اختبار الإرادات العسكرية والسياسية.
في هذا السياق، يبدو أن واشنطن تسعى إلى إعادة ترسيخ قوة الردع، وإيصال رسالة مفادها أن استهداف قواتها أو مصالحها سيقابل برد مباشر. وفي المقابل، تحاول إيران إثبات أنها ما زالت تمتلك القدرة على الرد، وأن الضغوط العسكرية لن تدفعها إلى تقديم تنازلات استراتيجية، خاصة فيما يتعلق بوجودها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي.
لكن، رغم التصعيد، لا توجد مؤشرات حاسمة حتى الآن على رغبة أي من الطرفين في الانزلاق إلى حرب شاملة. فالولايات المتحدة تدرك أن حربًا مفتوحة مع إيران قد تهدد أمن القواعد الأمريكية في الخليج، وترفع أسعار الطاقة عالميًا، وتوسع دائرة المواجهة إلى العراق وسوريا واليمن وربما لبنان. كما أن إيران تدرك أن مواجهة مباشرة وطويلة مع الولايات المتحدة قد تستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية بصورة كبيرة.
وعليه، فإن المشهد الحالي أقرب إلى "حرب ردع متبادلة" منه إلى حرب شاملة؛ حيث يحاول كل طرف فرض معادلات جديدة دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع.
أما بالنسبة لدول الخليج، فإن استهداف القواعد الأمريكية على أراضيها يضعها أمام تحدٍ أمني وسياسي متزايد، إذ تجد نفسها في قلب المواجهة رغم سعيها خلال السنوات الأخيرة إلى تخفيف التوتر مع إيران. ومن المرجح أن تكثف هذه الدول جهودها الدبلوماسية لمنع توسع الصراع، بالتوازي مع تعزيز إجراءاتها الأمنية.
فيما يتعلق بإسرائيل، فإن استمرار الاشتباك الأمريكي– الإيراني قد يمنحها هامشًا أوسع لمواصلة الضغط على إيران وحلفائها، لكنها في الوقت نفسه ستكون في حالة تأهب مرتفع خشية انتقال المواجهة إلى جبهات أخرى، سواء عبر لبنان أو سوريا أو حتى هجمات بعيدة المدى.
💬 التعليقات (0)