الكاتب: فادي قدري أبو بكر
لم يعد تموز شهراً عابراً في حياتي، ولم يعد الأول منه مجرد تاريخ على صفحات التقويم. فمنذ الأول من تموز/يوليو 2023، يوم رحل والدي، الشهيد اللواء قدري أبو بكر، صار هذا الشهر عنواناً للفقد، وموعداً سنوياً يتجدد فيه الوجع، وكأن الزمن يأبى أن يترك للقلب فرصة لالتقاط أنفاسه.
وفي الأول من تموز/يوليو 2026، تمر ثلاثة أعوام على رحيله.. ثلاثة أعوام كاملة، وما زلت أشعر أن الحياة توقفت في تلك اللحظة، وأن ما مضى بعدها ليس إلا زمناً يُحسب بالأيام، أما القلب فما زال واقفاً عند الوداع الأخير.
ثلاثة فصول من الخريف مرّت على الروح، لكن الذاكرة بقيت ربيعية. فما زالت صورك حيّة، وكلماتك حاضرة، ومبادئك التي غرستها فينا تنبض في تفاصيل حياتنا. ولا يزال حضورك أقوى من الغياب، وكأن الرجال الكبار لا يرحلون، بل يغيّرون فقط طريقة وجودهم بيننا.
كنت أظن أن تموز قد استنفد كل ما فيه من ألم يوم فقدتك، لكنه عاد هذا العام أكثر سواداً، وأكثر قسوة، وأكثر امتلاءً بالفقد. ففي الخامس من تموز/يوليو 2026، رحل المناضل الوطني الكبير، والأسير المحرر، ماهر يونس، بعد ثلاثة أعوام فقط من الحرية، التي جاءت عقب أربعين عاماً متواصلة قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي. رحل الرجل الذي ارتبط اسمه بتاريخ الحركة الأسيرة، وكأن السجن سرق من عمره حتى السنوات التي كان يستحق أن يعيشها حراً.
كان الخبر مفجعاً وثقيلاً على قلوبنا جميعاً .. 1265 يوماً فقط .. هذا كل ما عاشه ماهر بعد التحرر.. رقم صغير أمام أربعين عاماً من الأسر، لكنه يختصر وجعاً لا يمكن للأرقام أن تصفه.. 1265 يوماً فقط أتاحها القدر لوالدته، عملاقة الصبر، التي انتظرته أربعين عاماً، وزارت عشرات السجون، قبل أن تحتضنه أخيراً، ثم تودعه بعد سنوات قليلة، وكأن العمر كان يختصر نفسه أمام صبرها.
التعليقات (0)