أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية والتاريخ السياسي وتاريخ الأفكار والذهنيات، ورئيس معهد غرناطة للبحوث والدراسات المتقدمة، في إسبانيا.
سؤال قد يبدو غريبا وربما مستهجنا، إذ يقتضي المنطق أن يحظى منتخب عربي الانتماء الجغرافي والثقافي والسياسي بدعم جميع العرب، وأن يثير خروجه من المونديال، خاصة بالطريقة التي رأيناها، شجونا في كل البلاد على امتداد صدى لغة الضاد.
ليس القصد هنا تحليل الأخطاء الفنية أو التحكيمية أو التكتيكية التي تسببت في تحول دراماتيكي في نتيجة مباراة بدت محسومة للمنتخب المصري قبل دقائق قليلة من نهايتها، فذاك مجال له أهله ولا مجال لأن يفتي فيه غير المختصين، بيد أن المبتغى هو فهم الأسباب الثاوية خلف قدرة مباراة كرة قدم على إثارة هذا القدر الكبير من الجدل والنقاش والتعاطف والتضامن والحسرة والمرارة.
رياضيا، الهزائم لا تتشابه، إذ لا مجال للمقارنة بين هزيمة تعكس فوارق كبيرة في الأداء والإمكانات، وبين خسارة تخالف فيها مجريات المباريات كل التوقعات فيتجاوز العطاء سقف الطموحات، وتستعد الجماهير إلى نظم الحلم الجماعي في قصيدة غبطة تروي أسعد الحكايات.
غير أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة للتنافس في حدود المستطيل الأخضر، ففي سياق تعولم الفرجة الرياضية، غدت كرة القدم نظاما اقتصاديا مبنيا على إحدى أقوى الصناعات الترفيهية في العالم، خاصة مع ما شهدته من تطور كبير على مستوى اتساع القاعدة الجماهيرية وتضخم التمثلات الشعبية للاعبين والفرق والأندية، وتحول اللاعبين والمدربين إلى "نجوم" وعلامات رقمية (Digital Brands) في اقتصاد تراكمي يقدر حجمه السنوي بعشرات المليارات من الدولارات.
وفضلا عن ذلك، فإن اقتصاد كرة القدم والبطولات الكبرى مدعوم بمنظومة إعلامية ورقمية جاذبة وجارفة، تعمل على تطوير هذه الصناعة الترفيهية وانتشارها، وتوسيع مجالات تأثيرها، وتحرص على تضخيم القيمة المالية لنجومها في سوق الانتقالات ذي الأرقام الفلكية، وعلى ترسيخ نجوميتهم وقيمتهم الاعتبارية في الوعي العام للمجتمعات المعاصرة وخرائطها الذهنية.
💬 التعليقات (0)