طوال قرون، حمل معدن البيريت لقبا ساخرا، وهو "ذهب الحمقى"، لأنه يلمع بلون أصفر معدني يخدع أعين المنقبين، فيظنه بعضهم ذهبا، ثم يكتشفون أنه ليس إلا كبريتيد الحديد، وهو معدن وفير ورخيص لا يحمل القيمة الاقتصادية نفسها للمعدن النفيس.
لكن العلم، كما يحدث كثيرا، يستطيع أن يعيد تعريف القيمة، فما كان في الماضي رمزا للخداع المعدني، قد يصبح اليوم مرشحا لدور مهم في ذاكرات الحاسوب المستقبلية، والأجهزة الإلكترونية الأقل استهلاكا للطاقة، بحسب دراسة نشرت مؤخرا في دورية "ساينس أدفانسز" (Science Advances)، حيث نجح فريق من جامعة مينيسوتا في تحويل البيريت، أو كبريتيد الحديد، من مادة غير مغناطيسية إلى مادة مغناطيسية باستخدام الكهرباء فقط.
والأكثر إثارة أن التحول كان قابلا للعكس، أي إن المادة تصبح مغناطيسية عند تطبيق جهد كهربائي، ثم تعود إلى حالتها غير المغناطيسية عند إزالة هذا الجهد.
لفهم أهمية الأمر، يجب أولا أن نعرف أن المغناطيسية ليست مجرد خاصية لطيفة نراها في مغناطيس الثلاجة، ففي عالم التكنولوجيا، تعد هذه الخاصية أساسا مهما في تخزين البيانات، فالأقراص الصلبة القديمة، وبعض تقنيات الذاكرة الحديثة، تعتمد على التحكم في حالات مغناطيسية مختلفة لتمثيل المعلومات.
لكن التحكم في المغناطيسية يحتاج غالبا إلى طاقة، وكلما أمكن فعل ذلك بجهد كهربائي صغير وبتيار ضعيف، اقتربنا من أجهزة ذاكرة أسرع وأبرد وأكثر كفاءة.
الفريق البحثي كان يدرس البيريت منذ سنوات طويلة، ليس بوصفه مادة مغناطيسية، بل باعتباره مرشحا محتملا لصناعة خلايا شمسية رخيصة وغير سامة. فالحديد والكبريت عنصران وافران، والكبريت خصوصا ينتج بكميات كبيرة بوصفه ناتجا جانبيا في صناعة البترول.
💬 التعليقات (0)