إنه يوم الأحد المشهود، 25 رجب 922هـ/24 أغسطس/آب 1516م، وقف السلطان قانصوه الغوري تحت رايته في سهل مرج دابق شمالي حلب، وقد تجاوز السبعين. صاح في أمرائه: "يا أغوات، هذا وقت المروءة، هذا وقت النجدة، يا أغوات الشجاعة، صبر ساعة"، وبعد قليل، كانت مدافع سليم الأول وبنادق الانكشارية قد حسمت المعركة التي أنهت دولة مملوكية عمرها قرنان وثلثا قرن.
بدأت الهزيمة قبل مرج دابق بسنوات، حين وقف الغوري أمام بندقية جلبها له تاجر سلاح مغربي، فنطق بقولته التي رواها مؤرخ نهاية العصر المملوكي وبداية الحكم العثماني ابن زنبل الرمّال: "نحن لا نترك سنّة نبيّنا ونتبع سنّة النصارى".
الرواية أعقد ممّا تبدو وقد لا تكون دقيقة في تفاصيلها، لكنّ ما يُؤكَّد هو أنّ الغوري نفسه حاول إدخال الأسلحة النارية إلى جيشه، فلقي من طبقته العسكرية مقاومة أشدّ من مقاومة العدوّ؛ ما يحيل على أحد أعمق أزمات التحديث في التاريخ الإسلامي حين صار السلاح الجديد تهديدا وجوديا لنظام اجتماعي بأسره، نظام قائم على طبقة الفرسان ويستمد شرعيته من قيم الفروسية والبطولة والشجاعة.
تمحو البندقيةُ إرث مهارات القتال الفردية بالسيف والرمح والقوس وركوب الجواد، فهي سلاح يُتعلَّم في أسبوع، ولو انتشرت البنادق، لَساوى العبدُ الأسود والحرفيُّ القاهري الأميرَ المملوكي في ساحة المعركة، وهذا ربما ما لم يُطقه سادة القاهرة آنذاك.
يستند المؤرخون إلى مصدرين: ابن إياس الحنفي (ت. نحو 1524) في "بدائع الزهور"، وهو شاهد عيان ينتمي إلى أسرة مملوكية، ويوميّاته أقرب إلى التوثيق، وابن زنبل الرمّال (ت. نحو 1552) في "آخرة المماليك"، بأسلوب درامي وصفه المستشرق روبرت إروين بأنه "رومانس التاريخ"، يحتفظ بنصوص لا توجد عند غيره.
يسوق ابن زنبل الرواية على لسان الأمير كرتباي، الذي أسره سليم الأول بعد المعركة. حين سأله العثماني عن عزوف المماليك عن البنادق، أجاب: "هذه هي البندق التي لو رمت بها امرأة لمنعت بها كذا وكذا إنسانًا… ولكن نحن قوم لا نترك سنّة نبيّنا محمد، ويا ويلك كيف ترمي بالنار على من يشهد لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة".
💬 التعليقات (0)