"النكف "يعد من أكثر الأعراف القبلية رسوخًا في اليمن، إذ يقوم على تعبئة جماعية لنصرة المستجير ورد المظالم، ويستند إلى منظومة من الالتزامات الاجتماعية التي تمنحه قوة تتجاوز الاعتبارات الفردية. ويُشكّل "النكف" أحد أبرز الأعراف والمصطلحات السائدة في البيئة القبلية اليمنية ويُقصد به الاستنفار العام والدعوة الجماعية للنصرة والفزعة؛ بهدف الدفاع عن القبيلة أو أحد أفرادها أو مناصرة قضية تمسّ الحقوق أو الشرف أو الكرامة وتُعدّ الاستجابة لهذه الدعوة واجبًا قبليًا وأخلاقيًا لا يجوز التخلّف عنه. ولا يعني إعلان النكف الدخول في الحرب حتميًا بل هو بمثابة إعلان تعبئة عامة وإظهار للقوة والتضامن. وغالبًا ما يمر هذا الاستنفار بمسارين: إما الصلح والوساطة: حيث يسهم هذا الاحتشاد في الضغط لإنهاء الخلاف عبر الحلول القبلية والتحكيم. أو المواجهة: وهي الخيار الأخير الذي يتم اللجوء إليه في حال فشل جهود الوساطة والصلح. وعبارة النكف القبلي المتداولة اليوم في الشأن اليمني، تُمثّل أعلى درجات التضامن والاستنفار القبلي لحماية الحقوق وصون الكرامة
وقد أعادت أزمة النكف القبلي التي أعلنها الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي في منطقة الريان محافظة الجوف تسليط الضوء على مكانة القبيلة بوصفها أحد أهم الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في اليمن، بعد سنوات من تراجع دورها تحت تأثير سطوة الحوثي، وإعادة تشكيل موازين القوة في مناطق سيطرة الجماعة، وقد اندلعت الأزمة على خلفية استغاثة امرأة "ميرا"، ادعت أنها ابنة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، قالت إن القيادي في جماعة الحوثي فارس مناع استولى على منزلها في العاصمة صنعاء، ومع تدخل الشيخ بن فدغم لاستغاثة المرأة بها، وهو ما اعتبره واجبًا تمليه الأعراف القبلية في إغاثة المستجير ورد المظالم، تصاعدت القضية بعد احتجاز الشيخ والمرأة من قبل جماعة الحوثي، وما أعلنه لاحقًا من تعرضهما لإجراءات قسرية أثناء الاحتجاز، قبل أن يعلن النكف القبلي عقب الإفراج عنه.
ورغم أن القضية تبدو في ظاهرها مرتبطة بحادثة محددة، فإن سرعة تفاعل قبائل اليمن معها ومن مختلف محافظات الجمهورية، واتساع نطاق الاهتمام السياسي والإعلامي، والتعزيزات الميدانية التي رافقتها، تكشف عن شعور عميق ومتراكم لدى القبائل بانتهاكات الحوثيين للكرامة وعادات وتقاليد المجتمع اليمني، وأن الظرف مواتي للاستجابة لداعي النكف الذي يعد من أكثر الأعراف القبلية رسوخًا في اليمن، إذ يقوم على تعبئة جماعية لنصرة المستجير ورد المظالم، ويستند إلى منظومة من الالتزامات الاجتماعية التي تمنحه قوة تتجاوز الاعتبارات الفردية.
وتكمن أهمية الأزمة في تعدد مستوياتها فجغرافيا تجري أحداثها في محافظة الجوف التي تمثل إحدى أهم البيئات القبلية في شمال اليمن، وعلى مقربة من محافظة مأرب والحدود السعودية، الأمر الذي يمنحها أبعادًا أمنية وسياسية تتجاوز نطاق المحافظة، بالنظر إلى توقيتها وموقعها الجغرافي؛ وزمنيا، ودلاليا الأزمة محملة بمديات طبيعة العلاقة بين القبيلة اليمنية وجماعة الحوثي، وأيضا مدى قدرتها على استعادة فاعليتها في مواجهة سطوة الحوثيين، وحدود قدرتها في إعادة تشكيل معادلات النفوذ.
تمثل أزمة النكف القبلي تحديًا سياسيًا وأمنيًا لجماعة الحوثي، لأنها نشأت داخل إحدى أكثر البيئات القبلية أهمية في مناطق سيطرتها، واستندت إلى قضية تحمل بعدًا قبليًا واجتماعيًا يتجاوز الخلافات السياسية التقليدية، وتكمن حساسية الأزمة في أنها تمثل حالة تختبر قدرة الجماعة على استمرار احكام سطوتها التي فرضتها خلال سنوات الحرب.
وتشير طبيعة التفاعل القبلي مع القضية إلى أن استمرارها قد يفرض على الجماعة تحديات إضافية في إدارة المجال القبلي، ولا سيما إذا تحول النكف الحالي إلى سابقة ومرجع تستند إليه قبائل أخرى للتعبير عن اعتراضاتها على سياسات الجماعة، أو الدفاع عن أعرافها، وفي هذه الحالة، قد تضطر الجماعة إلى تخصيص موارد أمنية وسياسية أكبر لاحتواء التداعيات، بما قد يؤثر في أولوياتها الداخلية.
💬 التعليقات (0)