تميزت مصر منذ العصور القديمة بوفرة نبات البردي الذي كان ينمو بكثافة في دلتا النيل وعلى ضفاف فروعه، وقد استطاع المصريون القدماء ابتكار تقنية فريدة لتحويل هذا النبات إلى مادة صالحة للكتابة تشبه الورق، وذلك قبل نحو 25 قرنا من الميلاد. وفي الوقت الذي كانت فيه شعوب كثيرة تعتمد على الصخور والأخشاب وجلود الحيوانات وعظامها لحفظ النصوص وتسجيل الأحداث، كانت مصر قد سبقت غيرها إلى استخدام وسيط كتابي أكثر سهولة ومرونة.
ولم يقتصر استعمال البردي على النصوص الهيروغليفية واللغات والخطوط التي تفرعت عنها، بل استُخدم لاحقا كذلك في تدوين نصوص عربية، وهي حقيقة لا تحظى بالشهرة الكافية لدى الكثير من الناس.
"استمر ورق البردي يؤدي دورا محوريا في الحياة الإدارية والاقتصادية والثقافية في مصر حتى بعد الفتح الإسلامي"
استمر ورق البردي يؤدي دورا محوريا في الحياة الإدارية والاقتصادية والثقافية في مصر قرونا طويلة، حتى بعد الفتح الإسلامي الذي قاده الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه بين عامي 19 و21 للهجرة، حيث وجد المسلمون في البردي مادة متوافرة زهيدة الكلفة مقارنة بالرقوق المصنوعة من الجلود وغيرها من وسائل الكتابة المتاحة آنذاك، وكان ذلك في مرحلة لم يكن فيها الورق القادم من الصين قد عُرف بعد على نطاق واسع في العالم الإسلامي، إذ لم يبدأ انتشاره الحقيقي إلا خلال القرن الثاني الهجري.
كان البردي المُعدّ للتداول التجاري يُصنع في ورش متخصصة، ثم يُطرح في الأسواق على هيئة لفائف تتكوّن عادة من عشرين صحيفة متصلة بعضها ببعض، وكانت الصفحة الأولى من اللفافة تُعرف في المصطلح اليوناني باسم "البروتوكول" (Protocol)، أي "الورقة الأولى"، وهي الصفحة التي كانت تُدون عليها البيانات الرسمية والعلامات التعريفية الخاصة بالوثيقة، وهو ما يقابل مفهوم "الطراز" في الاصطلاح العربي اللاحق. وقد أشار إلى ذلك المستشرق النمساوي أدولف غروهمان في دراسته عن أوراق البردي العربية المحفوظة بدار الكتب المصرية.
مثّل اكتشاف البرديات الإسلامية العربية في مصر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إنجازا كبيرا؛ إذ كشفت هذه الوثائق التي عُثر عليها في مناطق متعددة من مصر كالفيوم والصعيد، عن جوانب واسعة من حياة المسلمين الأوائل في مصر، بما في ذلك نظم الإدارة والمعاملات اليومية والعادات الاجتماعية وعقود الزواج والطلاق والمراسلات الشخصية، وتنبع أهميتها من كونها مصادر أصلية ومعاصرة للأحداث، مما جعلها أساسا لفهم التاريخ على نحو أدق.
💬 التعليقات (0)