مؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)
يتجه بنك إسرائيل إلى خفض أسعار الفائدة للمرة الثالثة خلال العام الجاري، في خطوة تهدف إلى دعم النشاط الاقتصادي الإسرائيلي بعد تراجع معدلات التضخم واستقرار عدد من المؤشرات الاقتصادية. وبالنسبة للاقتصاد الإسرائيلي، تبدو أهداف القرار واضحة: تخفيف أعباء القروض، خفض تكلفة التمويل، تحفيز الاستثمار، وتنشيط الاستهلاك. فخفض الفائدة في أي اقتصاد طبيعي يُعد أداة نقدية معروفة لتشجيع الاقتراض، وتحريك الأسواق، ودعم النمو.
لكن السؤال الأهم بالنسبة للفلسطينيين هو: ماذا يعني خفض الفائدة الإسرائيلية لاقتصاد لا يملك عملته الوطنية، ولا يتحكم بسياسته النقدية، ولا يسيطر بالكامل على حركة أمواله؟ هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فالفلسطينيون يتأثرون مباشرة بقرارات بنك إسرائيل، لكنهم لا يشاركون في صنعها. يستخدمون الشاقل في معظم معاملاتهم اليومية، وتتأثر قروضهم ومدخراتهم وأسعارهم بحركة الفائدة الإسرائيلية، لكن اقتصادهم يعمل ضمن شروط مختلفة تماماً عن الاقتصاد الإسرائيلي.
في إسرائيل، قد يؤدي خفض الفائدة إلى تخفيف أعباء المقترضين، وخاصة أصحاب القروض العقارية والتجارية، كما قد يشجع الشركات على الاستثمار، ويمنح المستهلكين قدرة أكبر على الإنفاق. أما في فلسطين، فإن أثر القرار لا ينتقل بصورة طبيعية أو متوازنة، لأن الدورة الاقتصادية الفلسطينية ليست دورة حرة، بل دورة مقيّدة بقيود سياسية ومالية ومصرفية خارجية.
فالمشكلة الفلسطينية لا تكمن فقط في مستوى سعر الفائدة، بل في البيئة التي يتحرك فيها المال. فما فائدة خفض الفائدة إذا كانت أموال المقاصة محتجزة؟ وما جدوى انخفاض تكلفة التمويل إذا كانت البنوك الفلسطينية تعاني من تراكم فائض الشاقل وترفض أو تقيّد استقبال الإيداعات النقدية الكبيرة من التجار ورجال الأعمال والجمهور؟ وكيف يمكن للقطاع الخاص أن يستفيد من أي تحسن نقدي إذا كانت حركة السيولة نفسها محاصرة؟
إن أموال المقاصة تمثل أحد الشرايين الأساسية للاقتصاد الفلسطيني. فهي ليست منحة ولا مساعدة، بل أموال فلسطينية مستحقة يتم تحصيلها على الواردات والمعاملات التجارية، ويفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية بصورة منتظمة. وعندما تقوم إسرائيل باحتجاز هذه الأموال أو تأخير تحويلها، فإنها لا تضغط على الحكومة وحدها، بل تضغط على الاقتصاد بأكمله. فالحكومة التي لا تحصل على أموالها كاملة لا تستطيع دفع الرواتب بانتظام، ولا الوفاء بالتزاماتها للقطاع الخاص، ولا تمويل الخدمات والمشاريع العامة بالكفاءة المطلوبة.
💬 التعليقات (0)