ليست الحروب وحدها من تُدمر المدن، بل تُدمر أيضًا الزمن الجميل الذي كان ينبغي أن يعيشه الأطفال. فهي تسرق من أعمارهم براءة البدايات، وتُحمّل قلوبهم الصغيرة أعباءً لا تطيقها إلا الأرواح المنهكة. وحين تصبح الطفولة مرادفًا للخوف، ويغدو اللعب رفاهية، ويصير الأمان حلمًا بعيد المنال، ندرك أن الإنسانية قد خسرت إحدى أجمل قيمها. في غزة، لا يُقاس عمر الطفل بعدد السنوات، بل بعدد الليالي التي قضاها تحت القصف، وعدد المرات التي ودّع فيها عزيزًا، وعدد الأحلام التي استيقظت على صوت الانفجارات. هناك، يكبر الأطفال قبل أوانهم، وتشيخ البراءة قبل أن تكتمل ملامحها. أطفال غزة ليسوا أرقامًا تُضاف إلى الإحصاءات، ولا عناوين عابرة في التقارير، بل وجوهٌ صغيرة تحمل من الوجع ما تعجز عن حمله الجبال. أصبحت الخيمة مدرسة، والحجر لعبة، وكيس المساعدات عيدًا مؤجلًا. حفظوا أصوات القصف قبل أن يحفظوا جدول الضرب، وسألوا ببراءتهم التي لم تُطفئها الحرب: لماذا لا تأتي الشمس إلينا كل صباح؟ طفل في السابعة يقف في طابور الماء بدل أن يقف في طابور المدرسة، وطفلة في التاسعة تحتضن أخاها الصغير بعاطفة أم، وطفل في العاشرة يربت على كتف والدته قائلًا: لا تبكي... لقد أصبحت كبيرًا. لكنها ليست بطولة، بل طفولةٌ انتُزعت منها سنواتها الجميلة. استبدلوا الألعاب بعبوات الماء، والدفاتر بقوائم الانتظار، والحقائب بأثقال الحياة. وصاروا يعرفون أماكن الغارات أكثر مما يعرفون طرق العودة إلى بيوتهم، لأن البيوت نفسها تحولت إلى ذكريات. ومع ذلك... ما زالوا يبتسمون. يرسمون بيتًا فوق الركام، ويبحثون بين الخيام عن مساحة للعب، ويسألون المتطوعين عن أقلام التلوين، وكأنهم يؤمنون أن لونًا واحدًا قادر على أن يهزم هذا السواد كله. نحن نحصي أعداد الشهداء، وهم يحصون الأيام التي ناموا فيها جائعين. نصفهم أحيانًا بـ"الحالة الإنسانية"، بينما لكل واحد منهم اسم، ووجه، وحلم، وحكاية تستحق أن تُروى: محمد، أحمد، سارة، يوسف... أطفال كانوا يريدون حياةً عادية، لا أكثر. إن المقاومة الأولى للطفل الفلسطيني ليست حمل السلاح، بل أن يحافظ على إنسانيته وسط هذا الركام، وأن يبتسم رغم الألم، ويحلم رغم الدمار، ويتمسك بالحياة رغم كل ما يدفعه إلى اليأس. أطفال غزة لا يحتاجون إلى الشفقة، بل إلى العدالة؛ يحتاجون إلى سقف يحميهم، ومدرسة تفتح لهم أبواب المستقبل، وطبيب يداوي جراحهم، وكتاب يعيد إليهم معنى الطفولة، وعالمٍ يؤمن بأن حقهم في الحياة ليس منحة، بل حق أصيل تكفله الإنسانية. فالطفل لم يختر الحرب، لكن الحرب اختارته قسرًا. وإذا كان الصمت أمام آلام الكبار خطيئة، فإن الصمت أمام خوف الأطفال سقوطٌ أخلاقي وإنساني لن يغفره التاريخ. ويبقى السؤال الذي سيواجه ضمير العالم طويلًا: كيف يمكن للإنسانية أن تزعم انتصارها، بينما ما زالت الطفولة تُهزم كل يوم في غزة؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة قدس نت
💬 التعليقات (0)