حين تمر في شارع الساقية وسط مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، إن لم يلفت انتباهك الأهلة والمآذن المصفوفة أمام مشغل "سمكرة الإخلاص"، فلن يفوتك أن تسمع أصوات الطرق على صفائح الصاج، وتلمح أماكن مهنة مضت عليها عقود، ولا تزال قائمة حتى الآن.
هناك يواصل الشقيقان يوسف وسعيد سليم الترتير الحفاظ على مهنة الوالد والأجداد في صناعة أهلة المساجد ومآذنها وقبابها بكثير من الحب والإبداع، ويقتربان من إنهاء عقدهما الرابع في العمل بها، وسط شعور كبير بالحرص على تعليم "الصنعة" للأبناء الذين ما زالوا يترددون في ذلك ويفضلون أعمالا أخرى.
وبوضوح يظهر هذا الدافع لتعلم المهنة والعمل بها في كلام الشقيقين خلال حديثهما للجزيرة، خاصة أنهما الوحيدان في فلسطين اللذان باتا ينفردان بهذا العمل يدويا.
ويقول يوسف الترتير إنه وشقيقه تعلما الصنعة من والدهما، وعملا بها مباشرة بعد إنهاء تعليمهما في المدرسة، ويؤكد شعوره بالفخر بذلك، خاصة "أني أجد بصمتي أو بصمة والدي في كثير من المساجد التي أمر بها، فأقول: رحم الله أبي، هذا إنجازه".
وكانت سنوات العمل الطويلة كافية لأن تجعل يوسف وشقيقه مبدعين في عملهما، ويظهر ذلك أكثر في ثني الصاج وتشكيله والتحكم فيه، ويقول يوسف إن "العمل يحتاج إلى حسابات دقيقة"، مضيفا أن إنتاج الهلال -على سبيل المثال- يحتاج إلى دقة عالية في تصميم الشكل وأخذ القياسات المناسبة لذلك، ومن ثَم التصنيع بحرفية لا مجال فيها للخطأ، ولو كان في سنتيمتر واحد.
وتكمن تراثية المهنة في الماكينات والآلات اليدوية داخل "سمكرة الإخلاص"، التي توارثها الشقيقان يوسف وسعيد عن والدهما وجدهما، ويقول يوسف إن الفرق يكمن في أن الآلات الحديثة لا يمكن التحكم فيها مقارنة بالماكينات القديمة، مضيفا "تصنيع الهلال مثلا يحتاج إلى تحكم يدوي، فنحن نقوم بعمل نقوشات وزخرفات عليه".
💬 التعليقات (0)