تواجه المؤسسات المهنية والبحثية تحدياً متصاعداً مع تزايد ما يعرف بـ 'هلوسات' الذكاء الاصطناعي، التي بدأت تقوض مصداقية الإجابات القانونية والطبية والتقارير الرسمية. وقد توصل خبراء وعاملون إلى استنتاج مفاده أن هذه التقنيات لم تنجح دائماً في اختصار الوقت، بل نقلت ثقل العمل من مرحلة الكتابة والإنتاج إلى مراحل المراجعة والتدقيق المكثفة، مما تسبب في إرهاق ذهني كبير للموظفين.
يقضي الموظفون اليوم جزءاً كبيراً من ساعات عملهم في تهذيب نصوص مولدة آلياً ومحاولة إضفاء طابع إنساني عليها، وهي مهمة يصفها الكثيرون بأنها أصعب من تحرير النصوص البشرية التقليدية. وبدلاً من أن تكون الآلة وسيلة للسرعة، تحولت إلى مصدر لمسودات تتطلب ساعات من الفحص للتأكد من دقة المعلومات وصحة المصادر المذكورة فيها.
تجسدت هذه المخاطر في واقعة كبرى شهدتها شركة 'ديلويت' الأسترالية في منتصف عام 2025، حين قدمت تقريراً حكومياً ضخماً مكوناً من 237 صفحة مقابل عقد مالي كبير. لاحقاً، اكتشف باحثون أن التقرير تضمن مراجع أكاديمية مخترعة وقضايا قانونية وهمية تماماً، كانت نتيجة مباشرة لاستخدام نماذج 'تشات جي بي تي' دون تدقيق بشري كافٍ.
هذه الحادثة التي كُشفت بالصدفة تثير تساؤلات مقلقة حول حجم التقارير والبحوث التي تُعتمد يومياً وهي تحتوي على بيانات مضللة لم تُكتشف بعد. إن قدرة الذكاء الاصطناعي على صياغة الأكاذيب بلغة واثقة وهيكل متماسك تجعل من الصعب على غير المتخصصين تمييز الحقيقة من الخيال، مما يهدد أسس البحث العلمي الرصين.
على صعيد المحتوى الرقمي، تشير إحصائيات شركة 'غرافيت' للأبحاث إلى أن نسبة المقالات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي قفزت لتشكل نحو 52% من مجمل ما نُشر على الإنترنت بحلول مايو 2025. هذا التدفق الهائل أدى إلى إغراق الشبكة بمحتوى سطحي يفتقر إلى الروح والأثر، ويكرر الأفكار ذاتها بأساليب لغوية مختلفة دون تقديم إضافة معرفية حقيقية.
في الماضي، كانت معايير الجودة والجهد المبذول في الكتابة تعمل كمرشحات طبيعية تمنع وصول المحتوى الرديء إلى الواجهة، لكن سرعة الآلة حطمت هذا التوازن. اليوم، يمكن للنماذج اللغوية إنتاج عشرات المقالات في دقيقة واحدة، مما أدى إلى انهيار كفة ميزان الجودة لصالح الكمية، وتصدرت مواد ضعيفة القيمة نتائج البحث والمنصات.
💬 التعليقات (0)