تعيش المرأة المصرية في الآونة الأخيرة حالة من التناقض الصارخ بين الأرقام الرسمية التي تتحدث عن تمكينها في المناصب القيادية، وبين الواقع المرير الذي تواجهه في الشوارع ووسائل المواصلات العامة. فرغم وجود الوزيرات والنائبات، إلا أن الخطاب الديني الشعبوي لا يزال يفرض وصاية خانقة على جسد المرأة، محولاً إياه إلى ساحة صراع فكري واجتماعي.
أعادت واقعة 'فتاة الأتوبيس' الأخيرة تسليط الضوء على هذه الأزمة، بعدما وثقت شابة مصرية تعرضها للتحرش أمام ركاب لم يحركوا ساكناً للدفاع عنها. بل إن المشهد كشف عن نمط صادم من اللامبالاة، حيث اكتفى البعض بالابتسام أو محاولة تهدئة المتحرش بدلاً من زجره، مما يعكس خللاً عميقاً في المنظومة الأخلاقية المجتمعية.
ولم يتوقف الأمر عند الصمت، بل تعداه إلى لوم الضحية وتوبيخها من قبل بعض الركاب بسبب ملابسها، حيث اعتبر البعض أن صراخها دفاعاً عن حقها 'تطاولاً'. هذا الربط المزمن بين مظهر الأنثى وحقها في الأمان يغذي ظاهرة التحرش ويمنح الجناة غطاءً أخلاقياً زائفاً يبرر جرائمهم تحت مسميات دينية.
المتحرش نفسه، في محاولة للدفاع عن نفسه، لجأ إلى استخدام الرموز الدينية في مقطع فيديو لاحق، حيث ظهر وخلفه سجادة صلاة مخاطباً الجمهور بعبارة 'إخوتي في الله'. هذا التوظيف للتدين الشكلي يهدف إلى استمالة العاطفة الشعبية وتصوير الضحية على أنها هي المخطئة لعدم التزامها بـ 'الكود' السائد للملابس.
ويرى مراقبون أن هذا السلوك ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج عقود من الخطاب الذي يروج لدونية الأنثى ويربط احترامها بمدى احتشامها وفق معايير متشددة. هذا الخطاب الذي بدأ ينمو منذ أواخر السبعينيات، بات اليوم يستخدم منصات التواصل الاجتماعي لإعادة إنتاج مفاهيم رجعية تضع المرأة دائماً في موضع المتهم.
الباحث في الشريعة الإسلامية ياسر محمود سلمي أكد أن التحرش يتجاوز الفعل الجسدي ليشمل النظرات والملاحقة والتلميحات الجنسية. وأوضح أن حصر التحرش في اللمس فقط هو تقزيم للجريمة، مشدداً على ضرورة تغيير النظرة المجتمعية التي تتسامح مع هذه الانتهاكات اليومية التي تتعرض لها ملايين النساء.
💬 التعليقات (0)