في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، عادت سكة حديد الحجاز إلى الواجهة كضرورة استراتيجية لا مجرد حنين تاريخي. ويهدف المشروع المعاصر إلى بناء ممر لوجيستي بري يربط موانئ الخليج العربي بالقلب الأوروبي، متجاوزاً التحديات الأمنية التي عصفت بمضيق باب المندب.
أدت الأزمات الملاحية بين عامي 2024 و2026 إلى تراجع حركة المرور عبر قناة السويس بنسب وصلت إلى 50%، مما دفع الدول للتفكير في بدائل برية مستدامة. وتتجه الأنظار اليوم نحو شبكة سكك حديدية متكاملة تبدأ من سلطنة عمان وتمر بالسعودية والأردن وسوريا وصولاً إلى البوابة التركية نحو القارة العجوز.
تختلف الرؤية الهندسية الحالية جذرياً عن الخط الذي دشنه السلطان عبد الحميد الثاني عام 1900، حيث يتم اعتماد العرض القياسي العالمي للسكك لضمان التوافق مع الشبكات الحديثة. ويسعى هذا التحول التقني لدمج شبكة قطارات دول مجلس التعاون الخليجي البالغ طولها 2177 كيلومتراً مع منظومة النقل في المشرق العربي.
تعد سلطنة عمان نقطة انطلاق رئيسية لهذا المسار عبر استثمارات ضخمة في ميناءي الدقم وصحار ضمن رؤية 2040. وقد تُرجم هذا التوجه بتأسيس شركة 'حفيت للقطارات' بشراكة إماراتية لربط الموانئ العمانية بالشبكة الوطنية الإماراتية باستثمارات بلغت 3 مليارات دولار.
تمثل المملكة العربية السعودية الركيزة الأساسية للمشروع، حيث تمتلك بنية تحتية متطورة تشمل خط قطار الشمال الذي يصل إلى الحدود الأردنية. وتستهدف الرياض رفع مساهمة قطاع النقل في الناتج المحلي إلى 10% بحلول عام 2030 عبر مشاريع عملاقة كالجسر البري السعودي.
يوفر المسار البري الجديد ميزة تنافسية هائلة من حيث الوقت، إذ يقلص زمن الرحلة اللوجيستية إلى ما بين 5 و7 أيام فقط. وتعد هذه المدة قياسية مقارنة بـ 14 يوماً عبر قناة السويس أو 22 يوماً عبر طريق رأس الرجاء الصالح في الظروف العادية.
💬 التعليقات (0)