تقف الولايات المتحدة اليوم على أعتاب الاحتفال بمرور قرنين ونصف على تأسيس جمهوريتها، وهي الذكرى التي تحمل في طياتها مزيجاً معقداً من المنجزات العلمية والإخفاقات الأخلاقية. فمنذ الرابع من يوليو 1776، قدمت أمريكا للعالم أنجع الأدوية وأفتك الأسلحة في آن واحد، مرسخةً نموذجاً يجمع بين بريق الديمقراطية ووسائل تقويضها عبر التلاعب بالرأي العام.
إن تاريخ القارة الأمريكية ارتبط منذ البداية بصدمة اللقاء مع 'الزائر الثقيل' كريستوف كولومبوس، الذي غيرت رحلته مقادير السكان الأصليين الذين دفعوا وجودهم ثمناً لهذا الاكتشاف. ومنذ ذلك الحين، بدأت شعوب العالم تدفع أثماناً متفاوتة لهذا الوجود الأمريكي، تترجح بين الإعجاب بالنموذج الثقافي وبين كراهية السياسات التوسعية.
يتجلى الجانب المشرق من 'الحلم الأمريكي' في أصوات المبدعين والمناضلين الذين حاولوا استرداد إنسانية الإنسان من براثن المادية؛ أمثال مارتن لوثر كينغ في نشيده 'لدي حلم'، وتوني موريسون التي دونت آلام السود. هؤلاء المبدعون، من رواد موسيقى الجاز إلى أدباء 'جيل البيت'، فضحوا السياسات العنصرية وناصروا حقوق الأقليات المهمشة.
وعلى الرغم من تبجيل الدستور الأمريكي الصادر عام 1789 لحقوق الأفراد، إلا أن الواقع التاريخي يكشف أن تلك الحقوق كانت محصورة في الرجال البيض الملاك. وقد استمر التمييز العرقي والديني طويلاً، ولم تنل النساء حق التصويت إلا في عام 1920، مما يعكس الفجوة الكبيرة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية على الأرض.
شكل القرن العشرين مختبراً عملاقاً لما سمي بـ 'القرن الأمريكي'، حيث تحولت الولايات المتحدة إلى قوة عالمية مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الصعود لم يكن عسكرياً فحسب، بل استند إلى مثلث القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية، في مواجهة ما كان يوصف بـ 'إمبراطورية الشر' الشيوعية.
في الداخل الأمريكي، تركت 'المكارية' جرحاً غائراً في جسد الديمقراطية خلال الخمسينيات، حيث قاد السناتور جوزيف مكارثي حملات ترهيب ضد المثقفين والفنانين. اتهمت هذه الحملة مئات الموظفين والمبدعين في هوليوود بمناصرة الاتحاد السوفياتي، مما خلق مناخاً من الخوف والارتياب استمر لسنوات قبل تدخل المحكمة العليا.
التعليقات (0)