f 𝕏 W
فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب؟

في أروقة الدبلوماسية الدولية، لا تُعد اللغة مجرد وسيلة لنقل الأفكار، بل هي جزء أصيل من ميزان القوى الذي يحكم طاولات التفاوض. الكلمة الواحدة قد تتحول إلى جسر للسلام أو لغم ينفجر في وجه الموقعين، حيث تدار المفاوضات عبر تغليف الحقائق واختيار المصطلحات بدقة متناهية. خلف الأبواب المغلقة، تخاض حروب حقيقية بالفاصلة والنقطة، حيث يجلس السياسيون محاطين بخبراء اللسانيات والمترجمين الذين يحملون عبء صياغة مصائر الشعوب فوق جلود الكلمات.

تاريخ العلاقات الدولية مثقل بكوارث بشرية كان سببها سوء فهم لغوي بسيط، ولعل أبرزها ما حدث في يوليو 1945 خلال إعلان بوتسدام. حينها استخدم رئيس الوزراء الياباني مصطلح 'موكوساتسو' للتعبير عن التريث في الرد، لكن المترجمين نقلوها بمعنى 'التجاهل باحتقار'. هذا الخطأ اللغوي دفع الرئيس الأمريكي ترومان لإعطاء الأمر بإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، لتمسح مدينتان من الوجود بسبب سوء ترجمة.

ولم تكن الحرب الباردة بمنأى عن هذه الفخاخ، فقد كادت عبارة للزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف أن تشعل حرباً نووية شاملة. حين قال 'سندفنكم'، كان يقصد مجازاً ماركسياً حول بقاء الشيوعية أطول من الرأسمالية، لكن الترجمة الحرفية جعلت الغرب يراها تهديداً عسكرياً مباشراً. اضطر خروتشوف لاحقاً للاعتذار وتوضيح مقصده، لكن بعد أن كان سباق التسلح قد وصل إلى ذروة جنونية بسبب تلك الرصاصة اللغوية الطائشة.

وفي سياق آخر، تبرز المفاوضات الإيرانية الأمريكية كنموذج لصدام الهويات الثقافية خلف الكلمات المنطوقة. فبينما يتبنى المفاوض الأمريكي عقلية 'الكاوبوي' التي تبحث عن صفقات سريعة ونقاط جافة، يفضل الإيراني أسلوب 'حائكي السجاد' القائم على الصبر والمواربة. هذا التباين يجعل من كل مفردة في الاتفاقيات النووية مختبراً لغوياً، حيث يفكك الفريق القانوني الإيراني كل مصطلح لضمان عدم الوقوع في الكمائن القانونية الأنجلو-ساكسونية.

الدور الباكستاني يبرز هنا كوسيط ثقافي ولغوي هام، حيث تدير إسلام آباد قسم رعاية المصالح الإيرانية في واشنطن منذ عقود. وبحكم الجوار الجغرافي واللغوي، يستطيع الدبلوماسي الباكستاني فك شفرات المجازات الفارسية ونقلها بلغة يفهمها البنتاغون. هذا النوع من 'الترجمة العميقة' يقلل من فرص الصدام الناتج عن الفهم الخاطئ للنوايا، خاصة في الملفات الأمنية الحساسة المتعلقة بمضيق هرمز.

أما على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، فإن التفاوض يجري فوق حقل ألغام لغوي وعسكري مشتعل بين طرفين في حالة حرب رسمية. ورغم الجذور السامية المشتركة للعربية والعبرية، إلا أن اللغة تتحول إلى أداة للشيطنة أو إثبات السيادة. إسرائيل تحاول احتكار مصطلح 'السامية' سياسياً، بينما يتمسك لبنان باللغة الإنجليزية في الغرف المغلقة لفرض مسافة باردة تمنع أي إيحاء بالألفة الجغرافية مع الاحتلال.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)