تعتبر 'متتالية إسبانية' نموذجاً حياً للنزعة الموسيقية القومية التي اجتاحت أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث جسد فيها إيزاك ألبينيز إصراراً لافتاً على إبراز الهوية الأندلسية والموريسكية. الاستماع إلى أجزاء هذا العمل الثمانية ينقل المستمع مباشرة إلى أجواء الشرق، محطماً الحدود الجغرافية والتاريخية بين إسبانيا وجذورها العربية القديمة.
يرتبط الجمهور العربي بموسيقى ألبينيز بشكل غير مباشر، حيث استلهم الموسيقار الراحل فريد الأطرش مقاطع عديدة من أعماله في مقدمات أغانيه وتقاسيمه على العود. وتبرز مقطوعة 'غرناطة' كأحد أكثر الأعمال التي قدمها الأطرش بأسلوبه الخاص، مما جعل الكثيرين يعتقدون أنها جزء أصيل من التراث العربي الذي ابتكره أو أعاد صياغته.
على الرغم من أصوله الكاتالونية ونشأته في الشمال الشرقي لإسبانيا، إلا أن ألبينيز كان يعلن دائماً عن انتمائه الروحي للأندلس، واصفاً نفسه بالموريسكي. هذا الانتماء لم يكن مجرد شعار، بل انعكس في بنية موسيقاه المبكرة التي مزجت بين عفوية التكوين وبين التقنيات الكلاسيكية التي استقاها من مؤلفين كبار مثل شومان.
تتألف 'متتالية إسبانية' من ثمانية أجزاء، يحمل كل منها اسم مدينة أو منطقة إسبانية، في محاولة لتحويل الجغرافيا إلى نغمات مسموعة. ومع أن الارتباط بالتراث المحلي لكل مدينة يبدو ذاتياً ومرتبطاً برؤية ألبينيز الخاصة، إلا أن كل منطقة تمكنت من التعرف على هويتها الموسيقية داخل هذه الصفحات الإبداعية.
تعد مقطوعة 'غرناطة' الجزء الأجمل والأكثر شهرة في المتتالية، حيث تبدأ بنوتات تعكس حيوية ديناميكية تتداخل مع أصداء شكوى حزينة. ويظهر في هذا اللحن بوضوح كيف طوع ألبينيز النزعة الأندلسية لتخلق مزيجاً من المشاعر المتضاربة التي تأسر الحواس منذ اللحظات الأولى للعزف.
في المقابل، تظهر مقطوعة 'إشبيلية' كطاقة إيقاعية صاخبة تنتهي بغناء عاطفي يفيض بالحنين، وكأنها طقس سري يكشف عن عمق الحساسية الشخصية للمؤلف. بينما تأتي 'قادش' بلحن متموج يثير الأحاسيس رغم رتابته النسبية، مما يعكس تنوع القوالب الموسيقية التي احتواها هذا العمل الضخم.
💬 التعليقات (0)