تشهد مدينة الصدر شرق العاصمة بغداد حالة من الإحباط المتزايد بين صفوف الخريجين الشباب، حيث يعبر مصطفى، الذي يعمل سائق توصيل رغم شهادته الجامعية، عن رؤية جيله للسياسة بوصفها صراعاً محصوراً على المناصب والمكاسب الشخصية. ويرى هؤلاء الشباب أن الوجوه السياسية تتغير باستمرار دون أن يطرأ أي تحسن ملموس على ملفات حيوية كالكهرباء والبطالة والفساد المستشري.
وفي مقاهي بغداد الشعبية، يسيطر السكون والسخرية على ملامح الشباب عند الحديث عن الانتماء الحزبي، حيث يصف علي، وهو خريج كلية الإدارة والاقتصاد، العلاقة مع الأحزاب بأنها موسمية بامتياز. إذ يعتقد الكثيرون أن القوى السياسية لا تستحضر دور الشباب إلا كوقود للمعارك الانتخابية، ثم سرعان ما يتم تهميشهم بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
هذا المزاج العام يختصر واقع جيل ولد وسط الحروب ونشأ في مرحلة ما بعد عام 2003، ليشهد وعوداً إصلاحية لم تتحقق وأزمات متلاحقة أدت إلى اتساع فجوة الثقة. ورغم أن الشباب يشكلون الكتلة البشرية الأكبر في المجتمع العراقي، إلا أن تمثيلهم داخل الهياكل الحزبية يظل صورياً ولا يعكس ثقلهم الديموغرافي أو طموحاتهم الحقيقية.
وتشير القراءات الميدانية إلى أن العزوف السياسي ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو نتاج تراكمات اجتماعية واقتصادية طويلة أدت إلى انكفاء الشباب عن المجال العام. ففي المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية، أصبح الحديث عن فرص العمل والخدمات الأساسية يتقدم على أي نقاش حول البرامج السياسية أو التحالفات الحزبية المعقدة.
وفي محافظة البصرة الغنية بالنفط، يبدو الإحباط أكثر وضوحاً، حيث يؤكد الشاب حسين أن النقاشات في المجالس الشبابية لم تعد تدور حول التغيير السياسي بل حول سبل الهجرة والبحث عن حياة كريمة في الخارج. فقد فقدت شريحة واسعة الإيمان بقدرة الأدوات السياسية التقليدية على انتشال المحافظة من واقعها الخدمي المتردي رغم ثرواتها الضخمة.
ويرى متخصصون في الشأن الاجتماعي أن الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي شهدها العراق في الأعوام الأخيرة كانت نقطة تحول جوهرية في تشكيل وعي الجيل الجديد. فقد خلقت تلك الأحداث رغبة عارمة في الاستقلالية السياسية بعيداً عن الاصطفافات الحزبية القديمة التي يُنظر إليها كجزء أصيل من المشكلة وليست سبيلاً للحل.
التعليقات (0)