تواجه حركة النهضة التونسية، الذراع السياسية لجماعة الإخوان في البلاد، مأزقاً وجودياً هو الأصعب منذ تأسيسها، وذلك عقب صدور أحكام قضائية مشددة بحق قيادات الصف الأول. وقد توجت هذه الأحكام بالسجن مدى الحياة ضد رئيس الحركة راشد الغنوشي، مضافاً إليها 30 عاماً في قضية تتعلق بإنشاء جهاز أمن موازٍ، مما أثار تساؤلات عميقة حول هوية من سيدير التنظيم في المرحلة المقبلة.
تعيش الحركة حالة من التخبط التنظيمي بعد أن طالت الاعتقالات عدداً كبيراً من الرموز التاريخية، بمن في ذلك نواب الغنوشي ورؤساء حكومات سابقين مثل علي العريض ونور الدين البحيري. هذه الملاحقات القضائية لم تقتصر على القيادات السياسية فحسب، بل شملت أيضاً المسؤولين عن تسيير الشؤون اليومية للحزب، مما أدى إلى شلل شبه كامل في مؤسساته القيادية.
منذ تفعيل الرئيس التونسي قيس سعيد للمادة 80 من الدستور في عام 2021، والتي أدت إلى تجميد البرلمان وإقالة الحكومة التي كانت تهيمن عليها النهضة، دخلت الحركة في نفق مظلم من تراجع الشعبية. وباتت اليوم تواجه عزلة داخلية خانقة، حيث ترفض معظم القوى السياسية المعارضة التنسيق أو التحالف معها، محملة إياها مسؤولية الإخفاقات السياسية والاقتصادية خلال العقد الماضي.
أفادت مصادر مطلعة بأن التحدي الأكبر الذي يواجه النهضة حالياً هو محاولة فرض نمط جديد من القيادة يعتمد على الدائرة الضيقة لعائلة الغنوشي. وتتزايد المؤشرات حول مساعٍ لتوريث سلطة القرار داخل الحزب لابنه معاذ الغنوشي وصهره، وهو ما يثير موجة استياء عارمة بين الكوادر التاريخية التي لا تزال خارج السجون.
يرى مراقبون أن لجوء الغنوشي لخيار التوريث قد يكون المسمار الأخير في نعش وحدة الحركة، إذ يكرس انقسامات غير مسبوقة بين جيل المؤسسين والجيل الجديد. هذا التوجه يعكس رغبة في الحفاظ على نفوذ العائلة داخل التنظيم، حتى في ظل غياب الغنوشي خلف القضبان، مما يهدد بانسحابات جماعية للقيادات الوسطى.
على الرغم من هذه الأزمات، لا تزال الحركة تحاول إظهار تماسكها من خلال إصدار بيانات دورية وإحياء مناسبات تنظيمية مثل ذكرى تأسيسها الـ47. وتعتمد النهضة في ذلك على هيكلية الأحزاب العقائدية التي صُممت تاريخياً للعمل في ظروف الملاحقة الأمنية، إلا أن حجم الضغوط الحالية يبدو مختلفاً عما واجهته في عهود سابقة.
💬 التعليقات (0)