تتجاوز بطولة كأس العالم كونها مجرد جدول للمباريات الرياضية، لتتحول إلى رزنامة وجدانية عابرة للحدود، حيث يرتب الناس حياتهم ومواعيدهم حول صافرة البداية. في هذا الزمن الذي تتشابك فيه الأخبار وتتعدد الشاشات، يصنع المونديال لحظة نادرة يجلس فيها البشر أمام حدث واحد، مستعيدين طقوساً قديمة تجمع الحشد دون تحويله إلى قطيع.
تؤدي كرة القدم وظيفة جوهرية في تهذيب الخصومة البشرية المتأصلة، فبدلاً من الصراعات الدموية، اخترع الإنسان صيغاً تجعل الرغبة في الغلبة أقل تدميراً. في الملعب، يبقى الصراع موجوداً براياته وأغانيه، لكنه يجري تحت حكم وقانون ووقت محدد، مما يحول الخصم من كائن يجب إلغاؤه إلى شرط أساسي لوجود اللعبة.
إن الفارق الجوهري بين الحرب والمباراة يكمن في الاعتراف المتبادل؛ فالحرب لا تقبل الآخر إلا مهزوماً أو مدبراً، بينما تبدأ المباراة باعتراف مفاده أنه لا لعبة بلا خصم. بهذا المعنى، تصبح كرة القدم تمريناً اجتماعياً عميقاً على احتمال الآخر، حيث تُفرغ المواجهة من نيتها القاتلة وتُبقي على توترها الفني والجسدي.
نعيش اليوم في عالم ممزق لم يعد يشاهد الشيء نفسه، حيث انقسم الانتباه إلى عوالم متوازية تحكمها الخوارزميات والمصالح الضيقة. ومع ذلك، يبرز المونديال كاستثناء وحيد يوحد انتباه الملايين في لحظة زمنية واحدة، حيث يتابع الجميع ركلة الجزاء أو دمعة اللاعب في التوقيت ذاته عبر القارات.
لا يعني هذا التوحد أن العالم أصبح واحداً من الناحية الأخلاقية أو السياسية، بل يعني أنه أصبح واحداً زمنياً، وهو أمر ليس بالهين في عصر الفردانية الرقمية. إن الانتباه لحدث مشترك يمثل شكلاً نادراً من الاجتماع البشري، حيث تصبح كل بطولة علامة فارقة في التقويم الشخصي والجماعي لملايين المشجعين.
تستند هذه الظاهرة إلى حاجة بشرية قديمة للطقوس التي تنظم الزمن وتربط الفرد بالجماعة، تماماً كما كانت تفعل الأعياد والمواسم الزراعية في المجتمعات الغابرة. المونديال يختلف عن الطقوس الدينية أو القومية في أنه لا يطلب إيماناً أو عقيدة موحدة، بل يكفي فهم قواعد اللعبة البسيطة للمشاركة في هذا الوجدان الجماعي.
💬 التعليقات (0)