تطل الكاتبة الأرجنتينية ماريانا إنريكس على القارئ العربي لأول مرة من خلال مجموعة قصصية تحمل عنوان 'الأشياء التي فقدناها في النيران'، بترجمة مارك جمال وصدرت عن دار روايات. تضم المجموعة 12 قصة قصيرة تأخذ المتلقي في رحلة سحيقة إلى أعماق الأرجنتين، مستكشفةً خصوصيتها الثقافية عبر عوالم غرائبيه تنتمي لما يُعرف بالواقعية السحرية السوداء.
تتميز إنريكس عن أقرانها من أدباء أمريكا اللاتينية بنبرة سردية مشبعة بالرعب، تحاكي من خلالها الفظائع الحقيقية التي تحدث في الحياة اليومية. فهي لا تكتفي بسرد الحكايات، بل تعمل كدليل سياحي يقود القارئ إلى أكثر الأماكن عتمة وقسوة في بلادها، حيث تتقاطع الجغرافيا مع أعنف التجارب الإنسانية.
ينتقل السرد ببراعة بين أحياء بوينس آيرس، مثل حي 'كونستيتوسيون' الذي تحول من منطقة أرستقراطية إلى وكر للمهمشين والمدمنين. وفي قصة 'صاحب الأذنين الكبيرتين'، يستعرض النص المواقع التي شهدت أبشع الجرائم التاريخية في الأرجنتين، مما يضفي صبغة واقعية مريرة على الخيال القصصي الجامح.
في قصة 'نسيج العنكبوت'، تصف الكاتبة المناطق الحدودية مع البرازيل والباراغواي بأسلوب يجسد المشقة الجسدية والنفسية، حيث تظهر أشباح الماضي على الجسور القديمة. وتشير الأساطير المحلية في قصصها إلى أن بعض هذه المنشآت بُنيت فوق جثث الضحايا، مما يربط بين العمارة والموت في ذاكرة جمعية مؤلمة.
تتجلى فظاعة الواقع في قصة 'تحت المياه السوداء'، التي تسلط الضوء على تلوث نهر 'رياتشويلو' بالنفايات الكيماوية وجثث المراهقين الفقراء. وتكشف القصة عن تواطؤ الشرطة الفاسدة في إلقاء الضحايا في هذا النهر الميت، الذي يطوق المدينة كحزام من السواد والنسيان المتعمد.
تستخدم إنريكس اللغة كشفرة حادة تجرح مخيلة القارئ، حيث تصف المشاهد المروعة ببرود يشبه تقارير الطب الشرعي. لا تتردد الكاتبة في تفصيل الندوب والحروق والجثث المنكل بها، مؤكدة أن العنف اللغوي هو الأداة الأنسب لنقل واقع لا يمكن احتماله أو السكوت عنه.
💬 التعليقات (0)