كشفت وثائق سرية رفعت عنها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) الستار، عن تفاصيل دقيقة تتعلق ببدايات التدخل العسكري السوري في لبنان خلال سبعينيات القرن الماضي. وأظهرت الوثائق أن واشنطن لم تكن فقط على علم بالتحركات السورية، بل كانت تتابع بدقة دخول القوات النظامية التي بدأت بطلائع محدودة ومتخفية قبل أن تتحول إلى اجتياح علني واسع النطاق غير وجه المنطقة لثلاثة عقود.
بدأت القصة في ربيع عام 1976، حين كان لبنان يغرق في أتون حرب أهلية طاحنة أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الجيش اللبناني. وفي ظل هذا الفراغ، رأت دمشق في الفوضى اللبنانية تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الإقليمية، مما دفع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد لاتخاذ قرار التدخل العسكري تحت شعار منع التقسيم واستعادة الاستقرار المفقود.
وتشير مذكرة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 17 مارس 1976، إلى أن سوريا أدخلت نحو 1000 جندي نظامي بصورة سرية، حيث تخفى هؤلاء الجنود بزي عناصر جيش التحرير الفلسطيني. كانت هذه الخطوة تهدف إلى تحقيق أهداف فورية، أبرزها منع القوى المسلمة واليسارية من حسم المعركة عسكرياً ضد القوى المسيحية، والسيطرة على عملية انتقال السلطة بعد استقالة الرئيس سليمان فرنجية.
ووفقاً للوثائق، فإن الإدارة الأمريكية تلقت تأكيدات من رئيس أركان القوات المسلحة السورية آنذاك، اللواء حكمت الشهابي، بأن الوجود السوري سيكون محدوداً ومؤقتاً. وأبلغ الشهابي السفير الأمريكي في دمشق أن جيش التحرير الفلسطيني لم يعد قادراً على ضبط الأمن، مما يستوجب حضوراً سورياً مباشراً لكسر المأزق السياسي الذي شل العاصمة بيروت.
الرئيس حافظ الأسد، بحسب القراءة الأمريكية، كان يراهن بجزء كبير من هيبته الإقليمية على نجاح وساطته في لبنان. فقد أراد تجنب أي انتقادات من خصومه العرب، ولا سيما الرئيس المصري أنور السادات، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم استفزاز إسرائيل إلى حد يدفعها للتدخل العسكري المباشر الذي قد يقلب الطاولة على الجميع.
وفيما يخص الموقف الإسرائيلي، كشفت الوثائق أن تل أبيب كانت تراقب الوضع بـ 'سلبية حذرة'، حيث صرح وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك شيمون بيريز بأن بلاده لن تتدخل عسكرياً ما دامت القوات السورية بعيدة عن منطقة الجنوب. واشترطت إسرائيل لبقاء هذا الموقف عدم تمركز وحدات مدرعة كبيرة أو فصائل فلسطينية قرب حدودها الشمالية، وهو ما اعتبرته واشنطن ضوءاً أخضر ضمنياً للتحرك السوري.
💬 التعليقات (0)