في مطلع عام 1077، وقف الإمبراطور الألماني هنري الرابع حافي القدمين، مرتديا ثوبا صوفيا خشنا، أمام قلعة كانوسا في شمال إيطاليا، ينتظر 3 أيام و3 ليال في صقيع الشتاء، ويطلب من البابا غريغوري السابع رفع الحرمان الكنسي عنه. كان الحرمان الكنسي قرارا رسميا من الكنيسة يقضي بإخراج فرد ما عمليا من "جماعة المؤمنين"، بحيث يُمنَع من الصلاة في الكنيسة أو الحصول على دفن مسيحي عند وفاته، ما يجعله "منبوذا" على الصعيد الديني.
سياسيا، كان الحرمان الكنسي سلاحا بيد البابا في مواجهة أي أحد حتى الإمبراطور نفسه. ولذا لم تكن اللحظة التي وقف فيها هنري الرابع حافيا أمام قلعة كانوسا لحظة تذلُّل فحسب، بل ذروة صراع سياسي بين القيصر والكنيسة، فقد تحدَّى هنري سلطة البابا في تعيين الأساقفة، فردَّ عليه البابا بحرمانه وعزله. أما ما تلى ذلك فكان انزلاق أوروبا نحو حقبات مديدة من التصدُّع بين قوة السيف وسلطان القداسة.
" لم تكن اللحظة التي وقف فيها هنري الرابع حافيا أمام قلعة كانوسا لحظة تذلُّل فحسب، بل ذروة صراع سياسي بين القيصر والكنيسة"
منذ ذلك الحين، أصبح مصطلح "الذهاب إلى كانوسا" في الذاكرة الغربية استعارةً عن التذلُّل أو إبداء الندم الشديد أمام سلطة أعلى وأعتى تتدثَّر بالمُقدَّس المطلق. كانت تلك العبارة شعارا رفعه المستشار الألماني الشهير أوتو فون بِسمارك عام 1872 في صراعه مع الكنيسة الكاثوليكية في خضم مشروع توحيد ألمانيا (في ظل هيمنة البروتستانتية) ومخاوف بِسمارك من أن يؤثر ولاء الألمان الكاثوليك للبابا على ولائهم لألمانيا.
"تمثل واقعة كانوسا مثالا لخضوع السلطة السياسية للسلطة الدينية، بينما تمثل حقبة البابوية الأفنيونية (Avignon Papacy) النموذج المناقض تماما، حيث أخضعت الكنيسة قسرا للسلطة السياسية"
وبينما تمثل واقعة كانوسا مثالا لخضوع السلطة السياسية للسلطة الدينية المسيحية، فإن حقبة "البابوية الأفنيونية" تقدم النموذج المناقض تماما، حيث أخضعت الكنيسة قسرا للسلطة السياسية. بدأت تلك الحقبة الممتدة من 1309-1376 عندما أسر الملك فيليب الرابع ملك فرنسا البابا بونيفاس الثامن ونقله قسرا إلى فرنسا حيث لقى حتفه في ظروف غامضة، وذلك على خلفية صراع حول سلطة الكنيسة على الملوك، والضرائب التي فرضها الملك فيليب على رجال الدين.
💬 التعليقات (0)