شهدت العاصمة الفرنسية باريس حدثاً تاريخياً بارزاً بدخول رفات المؤرخ الشهير مارك بلوخ إلى 'البانثيون'، وهو الضريح الوطني الذي يضم رفات الشخصيات التي تركت بصمة خالدة في تاريخ الجمهورية. يأتي هذا التكريم بعد مرور أكثر من ثمانية عقود على رحيله، ليكون اعترافاً رسمياً بمسيرة رجل استثنائي جمع بين الدقة الأكاديمية والالتزام الوطني الصارم.
تزامن هذا الحدث مع صدور عمل بحثي ضخم بعنوان 'مارك بلوخ، التاريخ بوصفه مقاومة'، والذي أشرف عليه المؤرخان فلوريان مازيل ويان بوتان. يمتد الكتاب على نحو 600 صفحة، ويشارك فيه 25 باحثاً من تخصصات متنوعة، بهدف إعادة قراءة الإرث الفكري لبلوخ وربطه بالتحديات المعاصرة التي تواجه كتابة التاريخ في ظل انتشار الأخبار الزائفة.
وُلد بلوخ عام 1886 في مدينة ليون لأسرة يهودية ألزاسية، ونشأ في بيئة تقدس قيم المواطنة والتعليم، مما دفعه للتخصص في الدراسات التاريخية. برز سريعاً كواحد من ألمع عقول جيله، حيث تميز بقدرته على دمج المناهج الكلاسيكية بالانفتاح على العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وهو ما شكل نواة مشروعه التجديدي.
في عام 1929، أحدث بلوخ ثورة في الحقل الأكاديمي بتأسيسه مدرسة 'الحوليات' بالتعاون مع لوسيان فيفر، داعياً إلى تجاوز التاريخ التقليدي المتمحور حول الملوك والمعارك. ركزت هذه المدرسة على دراسة المجتمعات في كليتها، بما يشمل الاقتصاد، والعقليات الجماعية، والرموز، وأنماط الحياة اليومية، مما نقل التاريخ من السرد إلى التحليل.
اعتبر بلوخ أن الوثيقة المكتوبة ليست المصدر الوحيد للحقيقة، بل يجب على المؤرخ استنطاق الصور والخرائط واللقى الأثرية وحتى المناظر الطبيعية. هذا المنهج النقدي كان يهدف إلى بناء صورة أكثر دقة وتعقيداً عن الماضي، بعيداً عن الرؤى القومية الضيقة التي كانت سائدة في مطلع القرن العشرين.
تجسدت جرأة بلوخ العلمية في كتابه 'الملوك أصحاب القدرة على الشفاء' الصادر عام 1924، حيث حلل المعتقدات الشعبية حول القوى الخارقة للملوك. لم يكن الكتاب مجرد دراسة للعصور الوسطى، بل كان بحثاً في كيفية توظيف الأساطير لترسيخ السلطة السياسية، وهو ما فتح آفاقاً جديدة في الأنثروبولوجيا التاريخية.
💬 التعليقات (0)