الكاتب: د. دلال صائب عريقات
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس القرارات بحجم الجدل الذي تثيره، وإنما بقدرتها على حماية المشروع الوطني وشرعيته. واليوم، وفي ظل النقاش الذي أثارته دعوة الرئيس محمود عباس إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني والتشريعي الفلسطيني، وما تبعها من رفض عدد من الفصائل الوطنية والإسلامية ومطالبتها بحوار وطني شامل واجتماع للأمناء العامين، يصبح من الضروري إعادة توجيه النقاش من مربع الخلاف السياسي إلى مربع المصلحة الوطنية العليا.
الحقيقة الأولى التي ينبغي الاتفاق عليها هي أن الشعب الفلسطيني يمر بأخطر مرحلة منذ النكبة أكبر من الخلافات التنظيمية. فالحرب على غزة وما خلفته من إبادة، والتوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، وتهويد للقدس، إلى جانب المشاريع المطروحة لإدارة قطاع غزة بعيداً عن النظام السياسي الفلسطيني، جميعها تؤكد أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات وجودية تتطلب مؤسسات وطنية قوية وشرعية قادرة على اتخاذ القرار وتمثيل الشعب الفلسطيني.
في هذا السياق، فإن الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني لا ينبغي قراءتها باعتبارها خطوة موجهة ضد أي فصيل، وإنما باعتبارها استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً يهدف إلى تجديد الشرعية الفلسطينية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فلا يمكن أن نطالب المجتمع الدولي باحترام الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني بينما نتردد في العودة إلى هذا الشعب لتجديد مؤسساته الوطنية.
فالشرعية في الفكر السياسي تُستمد من الإرادة الحرة للمواطنين. وتجديد هذه الشرعية عبر الانتخابات ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة دستورية ووطنية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي تشهد محاولات متزايدة لإعادة رسم مستقبل القضية الفلسطينية دون مشاركة الفلسطينيين أنفسهم.
وفي المقابل، فإن مطالبة عدد من الفصائل بإطلاق حوار وطني شامل تستحق التعامل معها بروح المسؤولية الوطنية، لا بمنطق الاصطفاف السياسي. فالحوار الوطني ضرورة للحفاظ على الوحدة الوطنية، غير أن الحوار يجب ألا يتحول إلى بديل دائم عن الديمقراطية. فالعلاقة بين الحوار والانتخابات ليست علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل. الحوار ينبغي أن يهيئ البيئة السياسية والقانونية اللازمة لإنجاح الانتخابات، وأن يعالج القضايا الخلافية المتعلقة بآلياتها وضماناتها، بينما تبقى الانتخابات الأداة الديمقراطية التي تمنح الشرعية للمؤسسات الوطنية وتجدد العقد الاجتماعي بين الشعب وقيادته.
💬 التعليقات (0)