الإثنين 06 يوليو 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس
بقلم : ماجد حيدرلأكثر من ساعتين وعشر دقائق، شدنا الفيلم الدرامي " ما تبقى منكم" بطرحه لقضية شائكة ومآساة العصر وهي ضياع ارض البرتقال الحزين عام 1948, وما تلاها من كوارث ونكسات حتى يوم الناس هذا ؟لقد ابدعت مخرجة الفيلم شيرين دعيبسوالذي عرض في بيت أوروبا في الشيخ جراح مؤخرا في اجواء شبه أسطورية من حيث مكان العرض بين غابة من الأشجار والورود الزاهرة وكؤوس من ما يفرح وينعش القلب ووجوه واجسام ذات حسن ودلال وجمال وضيافة شهية وحلويات ومرطبات وبوظة بطعومات متنوعة منعشة للقلب والروح.هذا الفيلم العبقري أخذنا في دراما ساحرة، جعلتنا في حالة من التماهي والانسراب في احداث الفيلم المتلاحقة، ونحن نبحلق في الشاشة الفضية وكأن على رؤوسنا الطير. ولاحظنا بانبهار ودهشة ذكاء المخرجة التي بنى ما يشبه "التغريبة الفلسطينية" كما هو الحال في المسلسل السوري للمخرج نجدت انزور والذي عرض سابقا على شاشة تلفزيون فلسطين . طبعا ، الفيلم تحدث عن هذه المأساة كذلك من خلال عائلة يافاوية على مدى ثلاثة اجيال هذه المرة , أقحمت في هذا الصراع كغيرها من آلاف العائلات التي عاشت نفس المصير.هذه العائلة تهجٌر من منزلها في يافا الى مدينة نابلس التي تقع بعد زمن في قبضة المحتلين حرب حزيران عام 1967، كحال يافا ومدن اخرى على الساحل الفلسطيني من قبل.حبكة الفيلم اضافة الى هذه المحطات من التهجير والاقتلاع والتشريد، تجسدت في التحدي المثير، وهو هل يجوز التبرع بأعضاء الحفيد الشهيد احمد سليل عائلة النجم محمد بكري ونجله صالح، اللذان ابدعا في تجسيد مراحل الفيلم المختلفة وما حصل من تطورات وحقب زمنية مختلفة.احمد الشاب اليافع الذي استشهد في مواجهة مع جيش الاحتلال وقضى نحبه في مستشفى بمدينة حيفا التي باتت تحت الاحتلال الصهيوني.رحلة محاولة إنقاذ احمد بحد ذاتها، جسدت طبيعة الالم والوجع الذي يعيشه الفلسطيني المهجر من أرضه او حتى الذي بقي في أرض الآباء والاجداد ، وما يواجهونه من عسف المحتلين والبيروقراطية والمماطلة والتسويف التي كانت سببا في وفاة احمد الذي أصيب برصاص جنود الاحتلال ودخل في غيبوبة طويلة . وعشنا صراعا في دواخلنا كما أبطال الفيلم، عند لحظة الحقيقة وقبلها عندما يقرر الاب والام التبرع بأعضاء ولدهما الشهيد لمواطن اسرائيلي من المؤكد انه سوف يخدم في جيش الاحتلال يوما ما ، وسوف يكون سببا في قتل مزيد من الفلسطينيين؟! وهنا، يعيش الوالدان في متاهة وحيرة، من ناحية دينية اسلامية، هل يجوز التبرع أم لا في هذه الحالة ؟ ليتغلب في النهاية الضمير الحي الفلسطيني في أهمية إنقاذ حياة انسان بغض النظر عن أصله وفصله، ولكن قلب الأم لا يطاوعها، فتبحث عن الاسرائيلي الذي أنقذت حياته بزرع قلب ابنها احمد بين ضلوعه؟ وتجلس قبالته تنظر اليه بحنان ورجاء ، لان قلب ابنها الشهيد بنبض في جسم هذا الإسرائيلي، وتريد ان تنتزع منه، كلمة بأن يتعاطف مع شعب فلسطين الضحية ما دام يحمل بين حناياه قلبا فلسطينيا ، ولكنه يحاول التهرب.. ؟! ، وان أشار الى انه سيرفض التجند في جيش الاحتلال، ولكن والدة الشهيد، تبدو غير مقتنعة وتنسحب وأثقال من الهموم تنيخ فوق كتفيها وتعابير الشك تنداح في مقلتيها الحزينتين.. ؟!ما تبقى لكم؟ خلطة سحرية من احداث واقعية، مرت على الشعب الذي هجٌر من وطنه، وما زالت رائحة برتقال يافا تداعب خياشيمه، وما زالت يافا ام الغريب هي " شيته" اي شيت اصحابها الفلسطينيين كما يصفها نادل في مطعم يافاوي، وما زال كبار السن كما جسد الراحل محمد بكري يمشون وهم نيام يسألون .. أيان مرساها.. أي اين ايامك يا يافا ، وكأنهم لا يريدون أن يقتنعوا بما آل اليه مصير الوطن السليب ؟! وما زالت محاولة الابادة والاذلال تلاحق الفلسطينيين من المحتلين المتغطرسين؟؟! كما شاهدنا الممثل صالح بكري وابنه الصغير آدم بكري يتعرضان لقاطعي الطرق من زبانية عسكر المحتلين ويهددون الاب امام ابنه، بأن يشتم امه ببذاءة واخرين تحت تهديد السلاح الارعن؟ وردة فعل الطفل الغاضبة على سلوك والده الذي لم يكن امامه خيار اخر؟؟! والصراع بين الجد والابن حول ضرورة عدم التنازل عن حلم العودة مهما كلف الثمن.ان فيلم ما تبقى منكم، صرخة انسانية فريدة في عالم أصابه الطرش والصمم، عالج بتكثيف مدهش ونبض صادق ولخص حكاية مأساة شعب فلسطين بدقة وحرفية فنية عالية من الابداع والحساسية الفنية والانسانية، وأرسى طبيعة النظرة الانسانية للشعب الفلسطيني رغم كل ما تعرض له من إبادة ودمار ومجازر وتقتيل ومحو شامل لهوية الانسان والأرض وما عليها.ولا بد من الاشادة العالية، بالقائمين على بيت اوروبا الذين بادروا لعرض هذا الفيلم المدهش وغيره من الأفلام الوثائقية عن قطاع غزة تحديدا وما يتعرض له من ابادة جماعية وتطهير عرقي ، وفيلم وثائقي عن الراحلة ليلى شهيد سفيرة فلسطين المبدعة في باريس وافلام اخرى تعالج هموم الأسرى وغير ذلك.الشاشة الفضية، هي سلاح وعي شامل، وهي قادرة اذا احسن استخدامها لتثبيت السردية الفلسطينية العادلة وذات المصداقية العالية، في جذب الكثيرين في هذا العالم الى الجانب الصحيح والعادل من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وهذا تبدى في جمهرة الحضور في بيت أوروبا الذين تفاعلوا وتأثروا باحداث الفيلم الممتع وان كان يروي مأساة حزينة ربما لم يشهد التاريخ المعاصر لها مثيلا.
ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسطيني العصية على الانقراض والذوبان ..
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)