جنوب لبنان- ينحني الشابّ خليل فوق يافطة محلّ مدمّر، يلتقط شظايا الزجاج بعناية، ويكنس الأرض بحركة محسوبة، كأنه يحاول ألا يوقظ ذاكرة المكان من جديد. يرفع رأسه بين حين وآخر ليمسح العرق عن جبينه، ثم يعود إلى الإيقاع نفسه، بلا انقطاع، في مشهد يختصر علاقة شديدة الحساسية بين الإنسان وما تبقّى من مدينته.
قد يبدو المشهد، من أحد أطراف الشارع التجاري، بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل ثقل ما خلّفته الحرب في النبطية التي خرجت للتو من زمن مختلف: واجهات محالّ مثقوبة بفعل الغارات الإسرائيلية، وزجاج مكسّر يلمع تحت الشمس كأنه بقايا لحظة انفجار لم تكتمل مغادرتها المكان، وركام يتناثر على الأرصفة كأنه ما زال يحتفظ بحرارة الضربة الأولى، شاهدا على وقت لم يهدأ بعد.
وسط هذا المشهد المثقل، يبدأ يوم آخر لا يشبه ما قبله، أصوات المعاول والمكانس تحلّ محلّ الصمت، وأقدامٌ كثيرة تتحرك بين الأزقة كأنها تحاول إعادة ترتيب المكان من جديد. عشرات المتطوعين يصلون تباعا، يحملون أدوات بسيطة: قفازات، ومجارف، ومكانس، وأكياسًا سوداء كبيرة، لكن ما يحملونه فعليا أكبر من ذلك بكثير؛ محاولة لفتح طريق للحياة داخل مدينة لم تغادر بعد ظلّ الحرب.
على مقربة من الشاب خليل، يمسح حبيب الصياد يديه الملطختين بالغبار، ثم يشير إلى الصورة الممتدة أمامه كمن يحاول شرح ما يتجاوز حدود الفعل نفسه، يعمل متطوعًا ضمن مؤسسة "التضامن الشعبي"، ويقول للجزيرة نت إن ما يجري هنا ليس مهمة طارئة بل امتداد لمسار بدأ خلال الحرب، حين أدارت المؤسسة مركز إيواء في مدرسة معروف سعد في صيدا، واستقبلت نحو 650 عائلة نازحة.
ويضيف: "عندما انتهت الحرب شعرنا أن الدور لم ينتهِ، لم يكن الهدف فقط إغاثة الناس أثناء النزوح، بل مرافقتهم في طريق العودة، وإعادة ترتيب ما تهدّم من حياتهم".
في المكان نفسه، تتوزع مجموعات من المتطوعين قدموا من خلفيات مختلفة: طلاب جامعات، ومحامون، ومهندسون، عمال، ونساء. لا يجمعهم مظهر واحد، لكن يجمعهم فعل واحد يتكرر بإيقاع هادئ: رفع الركام وفتح الطرقات.
💬 التعليقات (0)