لم يعد المغرب بما يفعله في المونديال، في ثاني نسخه تواليا، مجرد حكاية تُرْوَى، ولا مفاجأة تستهلك في عناوين الصحف، بل صار يكتب تاريخه بيده، ويخط فصوله بأقدام لاعبين يعرفون جيدا إلى أين هم سائرون، وبعقل منظومة لم تعد تؤمن بالصدفة، بل بالعمل الذي لا ينام على الإنجازات.
ثلاثية نظيفة في مرمى كندا، لم تكن مجرد نتيجة عريضة في مباراة من مباريات كأس العالم، بل كانت إعلانا جديدا بأن المغرب لم يعد ضيفا على مائدة الكبار، وإنما هو واحد من أصحابها. تأهل ثان تواليا إلى ربع نهائي كأس العالم، وهو إنجاز لم يعد يقبل أن يُوصَف بالاستثنائي، لأنه أصبح امتدادا لمسار متصل، لا لوميض عابر.
كان المغرب، في سنوات مضت، يبحث عن مباراة تاريخية، ثم صار يبحث عن بطولة تاريخية، أما اليوم فهو يبحث عن تاريخ جديد يضاف إلى تاريخه، لأن سقف الطموح ارتفع حتى صار يعانق السماء.
حين ننظر إلى تفاصيل بل وعمق المشهد، ندرك أن ما يحدث اليوم في منصة كبرى هي كأس العالم، ليس مجرد انتصار يحققه فريق أو مجموعة، بل انتصار منظومة كاملة تم تنزيلها وتقعيدها بصبر وأناة، وتبصر وحكمة
هذا المنتخب لا ينتصر لأنه يملك جيلا ذهبيا فقط، فالذهب يبهت إن لم يجد من يصونه. ينتصر لأنه ثمرة شجرة غرستها كرة القدم المغربية منذ سنوات، وسقتها بالصبر، والعلم، والاستثمار، والإيمان بأن المستقبل لا يستورد، بل يُصْنَع، بأن المجد يُبْنَى حجرة حجرة ولا يشترى في المتاجر الممتازة.
من أكاديمية "محمد السادس لكرة القدم" التي تصنع اللاعب قبل النجم، إلى أندية بدأت تؤمن بالتكوين أكثر من الإعجاب بالمواهب الجاهزة، إلى جامعة كروية جعلت الاستقرار مشروعا لا شعارا، إلى مدربين يعملون داخل فلسفة واحدة، لا داخل اجتهادات متفرقة.
💬 التعليقات (0)