صرت إذاعياً بقوة الإلحاح والرغبة العميقة والاستعداد الدائم للتعلم، كان هاجسي كيف ألحق بزملائي الذين دربوني وظلوا في وعيي وسلوكي متفوقين علي، كان بعضهم ما يزال مرتبطاً بالجامعة كطالب مواظب. إذاً فقد أتيحت لي فرصة إضافية كي أعمل إلى جانب ما كنت أكلف به، ككاتب، ومذيع مبتدئ، إما بفعل الالتزامات الدراسية للزملاء والامتحانات، أو بفعل سفرهم ومرضهم واضطرارهم للغياب.
على الطريق الطويل الممتد من روكسي في مصر الجديدة إلى المبنى رقم 4 شارع الشريفين المتفرع من شارع قصر النيل وكلاهما يقع في وسط البلد، يوجد المستشفى القبطي الذي رقد فيه صديقي الأقرب وأحد الذين دربوني على القراءة خالد مسمار، لقد أُجريتْ له جراحة يفترض ألا تكون خطرة، لاستئصال حصى من الكلية إذاً كلها ثلاثة أيام، ويعود إلى غرفته في سكن الطلبة بجامعة الأزهر. غير أن خطأً طبياً أرغمه على البقاء لأسابيع. كانت حرارته قد ارتفعت بصورة مقلقة، لم ينجح الأطباء في خفضها فاستبد بنا الخوف عليه، كنت أواظب على زيارته يومياً، وكانت أم طارق تواظب على إعداد عصير البرتقال الطازج للشاب الذي كان بمثابة شقيق لها في الغربة، فلم تنسى اهتمامه بي حين أجريت جراحة لاستئصال اللوزتين مما أعاق عملي الإذاعي قرابة الشهر بعد أن انتكست الجراحة والتهبت.
كانت علاقات الغربة أقوى وأعمق من أي علاقات أسرية طبيعية، فما أكثر الوقائع الأسرية التي عشناها واعتمدنا عليها، فكانت الهواء النقي والمنعش الذي نتنفسه.. لم تلغي أوجاع الغربة التي نكابدها، إلا أنها جعلتها في حياتنا أمرا نستطيع تحمله.
أثناء فترة رقود الحاج خالد في المستشفى قمت بقراءة كل المواد المسجلة باسمه في برنامج العمل اليومي، كان زملائي يأتون إلى الإذاعة، إما لكتابة المادة المطلوبة منهم، أو لتسجيل الفقرة الإذاعية الخاصة بهم، أي أن البقاء في الإذاعة لا يتجاوز الساعتين إلى ثلاث ساعات في اليوم، وحين تكرستُ كمذيع جديد أضيف إلى عملي الأصلي ما يملأ فراغ المتغيبين، لقد بلغ بي الانهماك بالعمل والسعي للتعويض حد أن أكون أول الواصلين للإذاعة، وآخر المغادرين.
في لقاء ضمني مع الكاتب المصري الكبير الدكتور يوسف إدريس، المرشح الدائم لجائزة نوبل للآداب، سمعت منه تقويما مميزا لأناشيد الثورة الفلسطينية التي انفردت بإذاعتها "العاصفة".
كان الدكتور يوسف إدريس يشارك كضيف شرف في المؤتمر التأسيسي للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين الذي انعقد في العاصمة اللبنانية بيروت، وحين عرف أنني أعمل في صوت العاصفة، سألني كيف حافظتم على سرية الإذاعة دون أن تكشفها سلطات الاحتلال الإسرائيلي؟
💬 التعليقات (0)