لم يعد الحديث عن مستقبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" مجرد نقاش إداري حول مؤسسة دولية تقدم خدمات التعليم والصحة والإغاثة، بل تحوّل، إلى عنوان لمعركة أوسع على جوهر القضية الفلسطينية نفسها. فالتصريحات المنسوبة إلى "مجلس السلام" بشأن عدم وجود مكان للأونروا في "غزة الجديدة" فتحت باباً واسعاً من القلق، ليس فقط على مصير الخدمات التي يتلقاها اللاجئون، بل على ما تمثله الوكالة من شاهد قانوني وسياسي على النكبة وحق العودة.
ترى الكاتبة دينا نايف جربوع أن خطورة التصريح لا تكمن في ظاهره، الذي قد يبدو انتقالاً من الإغاثة إلى التنمية، بل في مضمونه السياسي العميق. فالأونروا، كما تؤكد، ليست مؤسسة توزع المساعدات فحسب، بل هي الدليل المؤسسي على أن قضية اللاجئين لم تُحل منذ عام 1948، وأن المجتمع الدولي ما زال يعترف بوجود شعب اقتُلع من أرضه.
وتذهب جربوع إلى أن إقصاء الأونروا يعني محاولة نقل القضية الفلسطينية من إطارها الحقوقي والقانوني إلى إطار اقتصادي وتنموي، وكأن المشكلة هي الفقر لا الاحتلال، والحاجة إلى المساعدة لا السبب الذي أنتج هذه الحاجة. ومن هنا يصبح اللاجئ، في هذا التصور الجديد، "مستفيداً" من مشروع تنموي بدلاً أن يكون صاحب حق سياسي وقانوني.
يلتقي الكاتب جمال خالد الفاضي مع هذا الطرح، معتبراً أن استهداف الأونروا هو استهداف للشاهد والذاكرة معاً. فإسرائيل، في رأيه، لا تريد فقط إضعاف وكالة خدماتية، بل تسعى إلى تفكيك الرابط بين الإنسان الفلسطيني وصفته السياسية والقانونية كلاجئ. وبذلك يتحول الفلسطيني من صاحب حق إلى متلقٍ للمساعدة، ومن لاجئ له قضية إلى ساكن محتاج في مساحة منكوبة.
ويحذر الفاضي من أن أخطر ما في المشروع المطروح هو إعادة تعريف القضية الفلسطينية: من قضية تحرر وحقوق وعودة إلى ملف إنساني قابل للإدارة والتمويل والتسكين. لذلك، فإن تغييب الأونروا لا يعني فقط نقل خدمات التعليم والصحة والإغاثة إلى مؤسسات أخرى، بل يعني تغييب الإشارة اليومية إلى حق العودة والنكبة التي لم تنتهِ.
في قراءة الفاضي، لا يمكن الخلط بين الدعوة إلى إصلاح الأونروا ومحاسبة أي خلل إداري محتمل، وبين مشروع إلغائها. فمن يريد الإصلاح يمكنه المطالبة بالرقابة والشفافية والمحاسبة، أما من يريد إنهاء الوكالة فهو، بحسب تعبيره، لا يستهدف مؤسسة بل يستهدف "الشاهد".
💬 التعليقات (0)