الأحد 05 يوليو 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس القرارات بحجم الجدل الذي تثيره، وإنما بقدرتها على حماية المشروع الوطني وشرعيته. واليوم، وفي ظل النقاش الذي أثارته دعوة الرئيس محمود عباس إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني والتشريعي الفلسطيني، وما تبعها من رفض عدد من الفصائل الوطنية والإسلامية ومطالبتها بحوار وطني شامل واجتماع للأمناء العامين، يصبح من الضروري إعادة توجيه النقاش من مربع الخلاف السياسي إلى مربع المصلحة الوطنية العليا.الحقيقة الأولى التي ينبغي الاتفاق عليها هي أن الشعب الفلسطيني يمر بأخطر مرحلة منذ النكبة أكبر من الخلافات التنظيمية. فالحرب على غزة وما خلفته من إبادة، والتوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، وتهويد للقدس، إلى جانب المشاريع المطروحة لإدارة قطاع غزة بعيداً عن النظام السياسي الفلسطيني، جميعها تؤكد أن القضية الفلسطينية تواجه تحديات وجودية تتطلب مؤسسات وطنية قوية وشرعية قادرة على اتخاذ القرار وتمثيل الشعب الفلسطيني.في هذا السياق، فإن الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني لا ينبغي قراءتها باعتبارها خطوة موجهة ضد أي فصيل، وإنما باعتبارها استحقاقاً وطنياً وديمقراطياً يهدف إلى تجديد الشرعية الفلسطينية وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فلا يمكن أن نطالب المجتمع الدولي باحترام الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني بينما نتردد في العودة إلى هذا الشعب لتجديد مؤسساته الوطنية.فالشرعية في الفكر السياسي تُستمد من الإرادة الحرة للمواطنين. وتجديد هذه الشرعية عبر الانتخابات ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة دستورية ووطنية، خصوصاً في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي تشهد محاولات متزايدة لإعادة رسم مستقبل القضية الفلسطينية دون مشاركة الفلسطينيين أنفسهم.وفي المقابل، فإن مطالبة عدد من الفصائل بإطلاق حوار وطني شامل تستحق التعامل معها بروح المسؤولية الوطنية، لا بمنطق الاصطفاف السياسي. فالحوار الوطني ضرورة للحفاظ على الوحدة الوطنية، غير أن الحوار يجب ألا يتحول إلى بديل دائم عن الديمقراطية. فالعلاقة بين الحوار والانتخابات ليست علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل. الحوار ينبغي أن يهيئ البيئة السياسية والقانونية اللازمة لإنجاح الانتخابات، وأن يعالج القضايا الخلافية المتعلقة بآلياتها وضماناتها، بينما تبقى الانتخابات الأداة الديمقراطية التي تمنح الشرعية للمؤسسات الوطنية وتجدد العقد الاجتماعي بين الشعب وقيادته.ومن الناحية القانونية، فإن منظمة التحرير الفلسطينية ليست ملكاً لأي فصيل، بما في ذلك حركة فتح، وإنما هي البيت السياسي الجامع لكل الفلسطينيين. وتجديد مؤسساتها مسؤولية وطنية جماعية تتجاوز الاعتبارات التنظيمية والفصائلية. وكلما تأخرنا في تجديد هذه المؤسسات، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على فرض ترتيبات سياسية وإدارية لا تعكس الإرادة الفلسطينية.ويزداد هذا الأمر أهمية في ظل ما نشهده اليوم من نقاشات دولية حول "اليوم التالي" في غزة، وظهور مشاريع تتحدث عن مجالس لإدارة القطاع، وترتيبات أمنية، وصيغ للحكم وإعادة الإعمار تُناقش أحياناً بمعزل عن المؤسسات الفلسطينية الشرعية. إن أفضل رد على هذه المشاريع ليس فقط برفضها، وإنما بإثبات قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وتجديد شرعية مؤسساتهم، وإدارة خلافاتهم عبر الوسائل الديمقراطية.تبقى أسئلة مشروعة ممكن الرد عليها من خلال الحوار، ومنها عقد الانتخابات في القدس أو غزة أو نتائج الانتخابات الفلسطينية، هل ستكون مقبولة من قبل المجتمع الدولي والاحتلال؟ في 2005/ 2006 بعد الانتخابات تعرضت الحكومة لحصار مالي خانق واعتقالات وضغوطات خارجية عطلت الديمقراطية ومنعت استمرار العمل، مَن يضمن عدم تكرار ذات المشهد اليوم؟إن الوحدة الوطنية لا تُبنى بالبيانات السياسية وحدها، ولا بالمحاصصة الفصائلية، وإنما بعقد اجتماعي جديد يحتكم فيه الجميع إلى الشعب الفلسطيني باعتباره مصدر السلطات وصاحب القرار النهائي. فالانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة والمساءلة. إن مسؤوليتنا الوطنية تفرض علينا الجمع بين الحوار المسؤول والانتخابات الديمقراطية، باعتبارهما مسارين متكاملين لا متعارضين، وكلاهما يشكل المدخل الحقيقي لاستعادة الثقة وبناء نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة. والمضي في مسيرة التحرر من الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير.
رؤية سياسية ما بين الحوار الوطني والانتخابات
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)