لم يخطر في خلد المواطن محمد ياسين أن خريطة قطاع غزة، الذي لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، ستتحول في عينه إلى مسافات ممتدة من العذاب، وأن جسده المثقل بالهموم سيعيد رسم حدود القطاع مشيًا على الأقدام، هربًا من الموت الذي يلاحق عائلته منذ بداية حرب الإبادة الجماعية المستمرة.
محمد، الذي وجد نفسه فجأة معيلًا لأسرة كبيرة قوامها عشرة أفراد، لم يكن يحمل همّ أولاده وزوجته فحسب، بل ضمّ إلى صدره أطفال شقيقه الشهيد، الذين ارتقى والداهم في الأسابيع الأولى للحرب، ليتحولوا إلى أمانة ثقيلة في عنق عمّهم وسط واقع يفتقد لأدنى مقومات الحياة.
لم تكن رحلة نزوح عائلة ياسين مجرد هروب عشوائي، بل كانت نتاجًا مباشرًا لاستراتيجية عسكرية ممنهجة اتبعها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث قامت هذه الاستراتيجية على عزل القطاع وتقطيع أوصاله إلى معازل جغرافية مخنوقة.
وعمد جيش الاحتلال إلى فصل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه عبر ممر "نتساريم"، حارمًا مئات الآلاف من العودة إلى منازلهم، قبل أن يعود ويفصل المحافظات الجنوبية عن الوسطى بشكل متقطع.
وترافق هذا الفصل مع ارتكاب آلاف المجازر الدموية التي استهدفت المربعات السكنية ومراكز الإيواء والمدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، مما جعل البقاء في أي بقعة بمثابة حكم بالموت، ودفع بأكثر من مليوني فلسطيني إلى دوامة النزوح الدائري المستمر.
يروي محمد ياسين لوكالة "صفا" تفاصيل الطواف الإجباري الذي عاشته عائلته: "خرجنا من بيتنا في وسط القطاع تحت حزام ناري مرعب، لم نكن نعرف إلى أين نذهب، كان الهمّ الوحيد أن أحمي الأطفال وأبناء شقيقي الشهيد، الذين أرى في وجوههم ملامح أبيهم الراحل في كل لحظة".
💬 التعليقات (0)